كيف يُعيد دواء التصلب المتعدد تشكيل الجهاز المناعي؟
عندما أصبح أوكرليزوماب أول علاج معتمد من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية للأشكال المبكرة من التصلب المتعدد (MS) عام 2017، منح المرضى أملًا كبيرًا.
هذا الدواء الذي طال انتظاره هو جسم مضاد وحيد النسيلة يُضعف الخلايا البائية، وهي الخلايا المناعية التي تُحفز تطور التصلب المتعدد.
ومع ذلك، لا تزال كيفية قيام أوكرليزوماب بذلك غير واضحة.
في دراسة جديدة نُشرت في مجلة الأبحاث السريرية، بدأ علماء جامعة ييل بالإجابة على هذا السؤال.
باستخدام تسلسل الحمض النووي الريبوزي أحادي الخلية - وهي تقنية تتيح فهمًا أعمق للتعبير الجيني في الخلايا الفردية - وضع الباحثون تصورًا مفصلاً لكيفية تحقيق أوكرليزوماب لتأثيراته العلاجية.
يقول الدكتور ديفيد أ. هافلر، أستاذ علم الأعصاب الذي قاد الدراسة: "كانت المفاجأة أن الدواء لم يعمل بالطريقة التي توقعناها".
وأضاف: "كنا نعرف النتيجة النهائية، وأن الدواء كان فعالاً للغاية لدى المرضى، لكن ما يُحرك مفعول الدواء هو نوع من خلايا الدم البيضاء في الجهاز العصبي المركزي، لا أحد يستطيع افتراض ذلك".

أدوار الخلايا التائية والبائية في التصلب المتعدد
تتشابك أدوار الخلايا البائية والتائية بشكل وثيق في الجهاز المناعي، فالخلايا البائية خلايا أساسية تتعرف على الأجسام الغريبة، وترتبط بها، وتعرضها على الخلايا التائية، التي بدورها تُرسل إشارات إلى خلايا مناعية أخرى لتتخذ إجراءات.
لكن هذه العلاقة تتعطل في حالة المرض.
في مرض التصلب العصبي المتعدد، تُحفّز الخلايا البائية النشطة بشكل غير طبيعي الخلايا التائية على مهاجمة غمد الميالين، وهو الطبقة الواقية للألياف العصبية، مما يؤدي إلى أعراض عصبية، مثل فقدان البصر وضعف العضلات وضعف الإدراك.
قبل أكثر من عقدين من الزمن، اكتشف هافلر وفريقه أن هذا يعود إلى عيوب في الخلايا التائية التنظيمية، التي عادةً ما تُعيق الاستجابات المناعية، ولكن عند خللها، تُطلق خلايا مناعية تستهدف عن طريق الخطأ أنسجة الجسم نفسها.
في المراحل المبكرة من التصلب المتعدد، يُعتقد أن كلاً من الخلايا البائية والتائية هي العوامل المسببة للمرض. ومع تطور المرض إلى مرحلة التنكس العصبي، تصبح العمليات الالتهابية الأخرى أكثر وضوحًا.
يقول هافلر: "بمجرد دخول مرحلة التنكس العصبي من المرض، يصبح إيقاف العملية أصعب بكثير. ما تعلمناه هو أنه كلما عولج المرض مبكرًا، كانت النتيجة أفضل".
يرتبط أوكريليزوماب بسطح الخلايا البائية، مما يؤدي إلى تدميرها. ويُعدّ فعالاً للغاية، خاصةً لدى الأشخاص في المراحل المبكرة من التصلب المتعدد.
يقول هافلر: "يعمل الدواء بكفاءة عالية".
لكن هافلر وفريقه وجدوا أن أوكريليزوماب كان له دور يتجاوز مجرد التحكم في الخلايا البائية.
في الدراسة الجديدة، حلل الباحثون عينات دم وسائل نخاعي دماغي لثمانية عشر مريضًا، جميعهم مصابون بنوع مبكر من التصلب المتعدد، حيث يتنقل المرضى بين فترات هدوء المرض وانتكاسه.
قام العلماء بقياس التغيرات الخاصة بنوع الخلية في التعبير البروتيني قبل وبعد تلقي المرضى دواء أوكريليزوماب لمدة 6 أشهر، في محاولة لتحديد الجزيئات المناعية التي قد تتغير استجابةً للدواء.
اكتشفوا أن انخفاض الخلايا البائية الناتج عن عقار أوكريليزوماب أدى إلى زيادة في جزيء عامل نخر الورم ألفا (TNF-α) المسبب للالتهابات.
كان هذا غير متوقع، إذ ثبت أن عامل نخر الورم ألفا يُحفز الجهاز المناعي ويُفاقم الالتهاب في بعض الأمراض.
في الواقع، تُستخدم الأدوية التي تُثبط نشاط عامل نخر الورم ألفا عادةً لعلاج أمراض المناعة الذاتية المختلفة، مثل التهاب المفاصل الروماتويدي وداء الأمعاء الالتهابي.
بتعمق البحث، وجد الباحثون أن تحريض عامل نخر الورم ألفا (TNF-α) أدى إلى زيادة نوع محدد من الخلايا التائية التنظيمية. وهذا بدوره كبح تدفق الخلايا التائية التي تهاجم الميالين.
ويقول هافلر: "إن هذه الزيادة غير المتوقعة في TNF-α تظهر أن عقار أوكرليزوماب يعمل بطريقة متناقضة".
فهم سبب التصلب المتعدد
يشير أحد النماذج الحالية لمرض التصلب المتعدد إلى أن المرض ينشأ من فيروس إبشتاين بار.
يقول هافلر: "لا تزال كيفية تحفيز فيروس إبشتاين بار للمرض نقطةً لا نفهمها بعد".
ومع ذلك، هناك أدلة قوية تُثبت أن الفيروس يُصيب الخلايا البائية. لذلك، فإن فهم كيفية تأثير دواء مُستنزف للخلايا البائية على نشاط الخلايا التائية قد يُؤدي إلى مزيد من التوضيحات.
ويوضح الاكتشاف الحالي أيضًا لماذا يرتبط خمس الجينات المرتبطة بخطر الإصابة بالتصلب المتعدد بمسار عامل نخر الورم ولماذا تكون العديد من هذه التغيرات الجينية وقائية في أمراض أخرى، مثل أمراض الأمعاء الالتهابية.
يقول هافلر: "هذا يُظهر ثراءً في علم الأحياء، فعندما تُصنع هذه الجزيئات، ومكان صنعها، والخلية التي تعمل عليها، لها تأثيرات مختلفة تمامًا".
يشتبه هافلر في أن عقار أوكريليزوماب قد يعمل من خلال آليات أخرى أيضًا، وهو ما حفّز مختبره على مواصلة أبحاثه.
ويقول: "لكي يعمل شيء ما بهذه الكفاءة، لا بد من وجود عوامل أخرى".
بدأ الفريق حاليًا بدراسة آلية تطور مرض التصلب العصبي المتعدد لدى مجموعة كبيرة من النساء المصابات به، أحد والديهنّ على الأقل.
من خلال متابعة التطور الجيني للمرض، يأمل العلماء في فهم أفضل لكيفية تأثير الخلايا البائية على الجهاز المناعي بشكل آني.
يقول هافلر: "هذه الدراسة ليست سوى جزء واحد من اللغز. سنواصل البحث عن أجزاء أخرى".

