كيف يزيد الدماغ من تدفق الدم عند الطلب؟
طوال اليوم، تقوم أدمغتنا بمهام معقدة وتتطلب طاقة كبيرة مثل التذكر وحل المشكلات واتخاذ القرارات، مما يجعلها بحاجة إلى الطاقة.
لتوفير الطاقة اللازمة لهذه المهام مع الحفاظ على هذا الوقود الثمين، طوّر الدماغ نظامًا يُمكّنه من إرسال الدم بسرعة وكفاءة إلى المناطق الأكثر حاجةً إليه في أي وقت.
يُعدّ هذا النظام أساسيًا لوظائف الدماغ والصحة العامة، إلا أن آلية عمله لا تزال غامضة.
الآن، كشف فريقٌ بقيادة باحثين من كلية الطب بجامعة هارفارد تفاصيل جديدة حول كيفية نقل الدماغ للدم إلى المناطق النشطة آنيًا.
نُشرت نتائجهم في مجلة Cell.
في التجارب التي أجريت على الفئران، اكتشف الفريق أن الدماغ يستخدم قنوات متخصصة في بطانة الأوعية الدموية للتواصل مع الأماكن التي تحتاج إلى الدم.
وقال المؤلف المشارك في الدراسة لوك كابلان: "يساعدنا هذا العمل على فهم كيفية إيصال إمدادات الدم المهمة للغاية إلى المناطق الصحيحة من الدماغ في نطاق زمني مفيد".
إذا تأكدت هذه النتائج في دراسات إضافية على الحيوانات والبشر، فقد تُستخدم لفهم نتائج اختبارات تصوير الدماغ بشكل أفضل، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، كما قد تُسهم هذه النتائج في فهم الأمراض التنكسية العصبية، التي غالبًا ما يتعطل فيها نظام التواصل هذا، مما يؤدي إلى مشاكل إدراكية.

لغز ميكانيكي طويل الأمد
في أواخر القرن التاسع عشر، لاحظ الطبيب الإيطالي أنجيلو موسو شيئًا مثيرًا للاهتمام في مريض يعاني من عيب في الجمجمة يترك منطقة من دماغه مكشوفة: عندما يغضب المريض، تتضخم أجزاء من المنطقة المكشوفة على الفور بالدم - مما يشير إلى وجود صلة بين نشاط الدماغ وتدفق الدم .
وبعد مرور قرن من الزمان، أصبح هذا الارتباط هو الأساس لتصوير الرنين المغناطيسي الوظيفي، وهو نوع من فحص الدماغ الذي يقيس تدفق الدم إلى مناطق مختلفة كمؤشر على النشاط العصبي بينما يقوم الأفراد بمهام مختلفة.
الدماغ واستهلاك الطاقة
يُعد الدماغ من أكثر أعضاء الجسم استهلاكًا للطاقة، إذ يُشكل 2% من وزن الجسم، ولكنه يستهلك 20% من إجمالي طاقته.
وللحفاظ على ميزانيته، يجب أن يتمتع الدماغ بكفاءة عالية: فهو يُوجِّه تدفق الدم بسرعة إلى المناطق الأكثر احتياجًا إليه، كما أوضح المؤلف الرئيسي تشنغ هوا غو، أستاذ علم الأعصاب في كلية الطب بجامعة هارفارد.
وفي حين أن نسبة استهلاك الدماغ للطاقة تختلف باختلاف الأنواع اعتمادًا على تعقيد العضو، قال جو إن الدماغ هو عضو متعطش للطاقة في جميع الثدييات.
وقال تريفور كرولاك، المؤلف المشارك في الدراسة،: "هناك آلية تطورية أنيقة تقوم بتوزيع تدفق الدم حسب الطلب في جميع أنحاء الدماغ، لكننا لا نفهم كيف تعمل".
وأشار كابلان إلى أن عملية توزيع الدم تتدهور في التنكس العصبي، وأن فهم آلية عملها الداخلية قد يؤدي إلى رؤى جديدة.
وأضاف: "إذا لم نعرف كيف يعمل هذا النظام على المستوى البيولوجي، فلن نعرف كيفية إصلاحه عندما يحدث خطأ".
لفهم ما يحدث على المستوى الجزيئي مع نشاط مناطق الدماغ المختلفة، أجرى الباحثون سلسلة من التجارب على الفئران، وأظهرت تحليلاتهم أن الدماغ ينقل بسرعة الحاجة إلى المزيد من الدم في منطقة معينة عبر الخلايا البطانية التي تبطن الأوعية الدموية في الدماغ.
علاوة على ذلك، لاحظ الباحثون أن الخلايا البطانية تتواصل بسرعة وكفاءة عبر ما يُسمى بالوصلات الفجوية، وهي قنوات دقيقة تربط الخلايا المجاورة ماديًا.
كما حدد الفريق جينين أساسيين لوظيفة مسار التواصل هذا.
وقال كرولاك: "يستخدم الدماغ في الأساس البطانة الداخلية للأوعية الدموية كطريق سريع للإشارات واسع النطاق ومنسق".
ومن خلال القيام بذلك، يستطيع المخ التواصل بشأن الأوعية الدموية التي تحتاج إلى التمدد أو الانقباض بشكل متناسق لنقل الدم إلى المناطق الصحيحة في الوقت المناسب.
وقال جو: "تساعدنا هذه النتائج على فهم كيفية قيام الدماغ بتوصيل تدفق الدم إلى المكان المطلوب بالضبط، مما يسمح له باستخدام إمدادات الطاقة المحدودة بطريقة فعالة".
تشير مجموعة متزايدة من الأدلة إلى أن تنظيم تدفق الدم مهم لصحة الدماغ، ويبدأ بالتدهور في بعض الأمراض العصبية التنكسية، وفقًا للباحثين.
ويأمل الفريق أن تُلقي نتائجهم الضوء على التغيرات التي تحدث في الدماغ أثناء التنكس العصبي.

