لأول مرة.. تحديد آلية عصبية فسيولوجية رئيسية في تكوين الذاكرة البشرية
تمكن فريق بحثي، لأول مرة في البشر، وفي بيئة واقعية، من تحديد آلية عصبية فسيولوجية رئيسية في تكوين الذاكرة.
اكتشف الباحثون موجات دماغية من النوع المتموج، وهي تذبذبات كهربائية عالية التردد تميز وتنظم الحلقات أو أجزاء المعلومات المختلفة التي يخزنها الدماغ كذكريات.
تُعمّق هذه النتائج، المنشورة في مجلة Nature Communications، فهمنا لكيفية تنظيم الذاكرة في الدماغ البشري، وتفتح آفاقًا جديدة لمعالجة الاضطرابات المرتبطة بضعف الذاكرة.
إن تذكر أحداث محددة هو أساس الذاكرة، ورغم ثبات التجربة، إلا أن هناك أدلة على أن الدماغ يُجزئها عند حدوث تغيرات في تدفق المعلومات لتحويلها إلى ذكريات.
تُشير هذه المقاطع إلى النقطة التي يُغلق فيها الدماغ حلقةً ما في الذاكرة ويبدأ بتسجيل أخرى.
على سبيل المثال، عندما تفعل شيئًا ما وتتلقى مكالمة هاتفية أو يرن جرس الباب، يُحدد الدماغ حدوث تغيير في مسار التجربة، ويستخدم هذه الأحداث كما لو كانت علامات ترقيم، أو نقطة في جملة، ليُتابع تخزين ما كنت تفعله على شكل حلقة، كما يقول الباحثون.
أشارت دراسات سابقة أُجريت على الفئران إلى أن التموجات تلعب دورًا أساسيًا في تكوين الذاكرة.
ويُشير الباحثون إلى أن "هذه الموجات تُنسّق نقل المعلومات بين الحُصين ومناطق القشرة المخية الحديثة - القشرة الصدغية والقشرة الجبهية - مما يُساعد على دمج الذكريات الجديدة، وتُعدّ هذه الإشارة العصبية أساسيةً لتوليد التعزيز المشبكي، مما يُمكّن الدماغ من تثبيت الذاكرة وترسيخها".

تجربة رائدة
بالرغم من أن هذه الإشارات دُرست على نطاق واسع لدى الحيوانات، وخاصةً الفئران، إلا أن تحليلها لدى البشر كان محدودًا للغاية.
ويعود ذلك إلى صعوبة تسجيلها، إذ تنشأ من مناطق دماغية تتطلب استخدام أقطاب كهربائية داخل الجمجمة.
ومع ذلك، تمكن الباحثون في هذه الدراسة من تحليل هذه الموجات في سياق طبيعي، أي في ظروف قريبة من الحياة اليومية.
ولتحقيق هذه الغاية، سجل الباحثون النشاط الكهربي الفسيولوجي داخل الجمجمة لعشرة مرضى مصابين بالصرع ــ والذين خضعوا لعملية جراحية لأسباب سريرية ــ أثناء مشاهدتهم مسلسلا يستمر لمدة 50 دقيقة.
يوضح المؤلفون: "يتميز هذا النوع من السرد، كما في الحياة الواقعية، بتغيرات في المشهد يحددها الدماغ كحدود للحدث، ثم طُلب من المشاركين استرجاع ما تذكروه من الحبكة وإعادة سرده".
أظهرت النتائج نمطًا ديناميكيًا لتنشيط موجات التموج أثناء ترميز الذاكرة.
تقول مارتا سيلفا: "لاحظنا أن هذه الموجات تحدث في كلٍّ من منطقتي الحُصين والقشرة المخية الحديثة، ومع ذلك، فقد اتبعت إيقاعًا زمنيًا مختلفًا: ففي الحُصين، ازداد نشاط التموج عند حدود الأحداث، مما يعكس دوره في التجزئة؛ في المقابل، كان وجوده أعلى في المناطق القشرية خلال التطور الداخلي للأحداث".
وبحسب الباحثين فإن هذا النمط يشير إلى التنسيق بين بنيتين دماغيتين، حيث تعمل مناطق القشرة الحديثة على معالجة المعلومات بشكل نشط، وينشط الحُصين عندما يكون هناك تغيير في المشهد "لتجميع وتوطيد" الذاكرة.
التجزئة للتذكر
تُعزز هذه النتائج أهمية التجزئة والهيكلة في تكوين الذاكرة.
وقال الباحثون: «ما نراه، سواء في هذه الدراسة أو في أعمال ذات صلة، هو أنه لا يكفي الانتباه وتسجيل المعلومات، بل إن تنظيمها في سياق التدفق المستمر للمعلومات هو بنفس القدر أو أكثر أهمية".
قد تكون للنتائج أيضًا آثار مهمة على فهم اضطرابات الذاكرة وتطوير تدخلات علاجية مستقبلية.
ويشير الباحثون إلى أنه "حتى الآن، عند مواجهة مشكلة فقدان الذاكرة، كنا نفكر في نقص الانتباه أو صعوبات اكتساب المعلومات، وتشير نتائجنا إلى احتمال وجود خلل في إشارات التجزئة هذه، أي في كيفية هيكلة المعلومات في الدماغ".

