نجاح تصحيح طفرات دماغية نادرة لمكافحة الأمراض العصبية
نجح علماء في تصحيح طفرات جينية في الفئران تسببت في مرض نادر للغاية عن طريق تعديل الحمض النووي مباشرة في الدماغ بحقنة واحدة، وهو إنجاز له آثار عميقة على المرضى الذين يعانون من أمراض عصبية.
في الاختبارات التي شملت أيضًا خلايا مشتقة من المرضى، لم تنجح التقنية المتطورة في إصلاح الطفرات المسببة للشلل النصفي المتناوب في مرحلة الطفولة (AHC) فحسب؛ بل إنها قللت أيضًا من الأعراض وأطالت البقاء على قيد الحياة لدى الفئران التي تعاني من الشلل النصفي المتناوب في مرحلة الطفولة والتي كانت معرضة لخطر الموت المفاجئ.
استغرق البحث، سنواتٍ من العمل، ويأتي عقب أول علاج ناجح لتعديل الجينات لمرض كبدي نادر.
ويُقدم هذا البحث لمحةً ثاقبةً عن إمكانات تعديل الجينات المُخصص للحالات العصبية.
ونشرت النتائج في مجلة Cell.

وقال ماركوس تيري، عالم الأعصاب: "قبل خمس سنوات، كان الناس يعتقدون أن دخول دماغ كائن حي وتصحيح الحمض النووي ضرب من الخيال العلمي، أما اليوم، فنعلم أن هذا ممكن".
وأضاف: "إن إجراء ذلك مباشرةً في دماغ كائن حي أمرٌ مثيرٌ للاهتمام من الناحية العلمية، يمكنك دخول الدماغ، وإصلاح الطفرة، وتصحيح الخلايا لبقية حياتها."
اختراق في مجال تحرير الجينات
يبدأ مرض AHC عادةً خلال مرحلة الطفولة المبكرة، ويُسبب نوبات شلل مفاجئة قد تستمر لدقائق أو حتى أيام. قد تكون هذه النوبات مصحوبة بخلل التوتر العضلي (تصلب العضلات)، ومشاكل في حركة العين، وتأخر في النمو. تُعدّ النوبات جزءًا مهمًا ومهددًا للحياة من هذا المرض، والذي لا يوجد له علاج حاليًا. على الرغم من أن العلاجات الحالية تُساعد في إدارة الأعراض، إلا أن فعاليتها محدودة.
استهدف العلماء الطفرتين الأكثر شيوعًا المُسببتين لمرض AHC، وهما D801N وE815K، في جين يُسمى ATP1A3. واعتمدوا على نماذج فئران جديدة.
وقد أسفرت الجهود السابقة لتكرار هذه الطفرات في الفئران عن عيوب شبيهة بتلك التي لوحظت في مرض AHC لدى البشر، حيث نفقت الفئران قبل الأوان وبشكل تلقائي.
وقال الباحثون أن البحث له أيضًا تأثيرات مهمة على أمراض وراثية نادرة أخرى اعتبرت منذ فترة طويلة غير قابلة للشفاء وتم إهمالها بسبب تعقيدها وندرتها.
وأضافوا: "إن فكرة تصحيح الطفرات في الأمراض النادرة قبل ظهور أعراضها فكرةٌ مُقنعة، لكنها تتطلب تطوير تقنياتٍ لتحقيق ذلك".
في حين أن معدل الإصابة بهذا المرض نادر جدًا، إلا أن معدل الإصابة بالحالات النادرة أحادية الجين التي يمكن معالجتها بتعديل الجينات كبير جدًا. ويمتد أثر هذا النجاح إلى ما هو أبعد من مجرد AHC.
حتى هذه اللحظة، لم يكن العلماء يعرفون ما إذا كان هذا مرضًا يمكن علاجه بعد الولادة، كانت رؤية بيانات تُظهر ليس فقط تصحيحًا جزيئيًا في الخلايا، بل أيضًا علاجًا وظيفيًا لسلوك الفئران، لحظةً مثيرةً للغاية.
اختبر الفريق تقنيتين من الجيل التالي لتصحيح الطفرات في فئران AHC المعدلة وراثيًا.
أثبتت تقنية التحرير الأولي، وهي تقنية تُعدّل أحرف الحمض النووي، أنها أكثر قابلية للتطبيق من طريقة أخرى تُسمى العلاج الجيني، وهو نهج علاجي أكثر شيوعًا، حيث تُضاف نسخ سليمة من جين معيب.
صحّح التحرير الأولي ما يصل إلى 85% من الطفرات الجينية المعيبة في خلايا الدماغ، ما أدى إلى استعادة وظيفة البروتين الطبيعية، وتحسين المهارات الحركية، وتقليل النوبات الشبيهة بالنوبات، وإطالة عمر الفئران.
قال تيري: "لا نعمل على مريض حاليًا، ولكن إجراء هذا النوع من التجارب على فأر بهذا المستوى من التصحيح يُعد إنجازًا كبيرًا، إذا تمكنا من إجراء ذلك على متغير جيني واحد - ولدينا بالفعل خمسة متغيرات في البحث - فيمكننا افتراض إمكانية تطبيق ذلك على متغيرات أخرى أيضًا، يمكننا توسيع نطاق هذا العمل ليشمل أمراضًا نادرة أخرى ، لأن 80% منها وراثية. نحن نعرف بالضبط أين تكمن المشكلة".
أُعطيت العلاجات بحقنة واحدة في الدماغ، وتألفت من فيروس غير ضار يُسمى AAV9، يُستخدم عادةً كوسيلة توصيل في تعديل الجينات باستخدام تقنية كريسبر، التي يستخدمها العلماء لإجراء تعديلات دقيقة على الحمض النووي.
أُجريت هذه العملية بعد الولادة بفترة وجيزة، مما سمح لأدوات تعديل الجينات بالوصول إلى عدد كبير من الخلايا العصبية في مرحلة مبكرة من الحياة. بالإضافة إلى ذلك، وجد الفريق آثارًا طفيفة خارج الهدف في الخلايا المشتقة من المرضى، مما يشير إلى أن هذا النهج قد يكون فعالًا وآمنًا.
نحو علاجات وراثية مخصصة
يُعد نجاح هذا النهج إنجازًا يُسهم في الزخم الذي تكتسبه أساليب تحرير الجينات والعلاج الجيني، مثل الاختراق الأخير لأول علاج لتحرير الجينات، والذي شفى رضيعًا مصابًا باضطراب كبدي وراثي نادر يُسمى نقص CPS1.
والآن، تُقدم القدرة على تحرير الحمض النووي مباشرةً في الدماغ آثارًا جديدة واعدة على الأمراض العصبية، وفقًا للعلماء.

