باحثون يكتشفون حدودًا مذهلة للخيال البشري
يستطيع البشر التلاعب بعشر كرات في آنٍ واحد، ولكن كم منها يستطيعون تحريكها في الهواء بخيالهم؟
أدهشت الإجابة، المنشورة في مجلة نيتشر كوميونيكيشنز، حتى الباحثين الذين عالجوا هذا السؤال.
فقد وجد علماء النفس الإدراكي أن بإمكان الناس تخيّل مسار كرة واحدة بسهولة بعد اختفائها، لكن الخيال لم يستطع في الوقت نفسه رصد كرتين متحركتين سقطتا عن الأنظار.
قال تومر أولمان، المؤلف المشارك في الدراسة: "شرعنا في اختبار حدود قدرة الخيال، ووجدنا أنها واحدة منها، لقد وجدتُ هذا الأمر مفاجئًا، لذا يُمكنني أن أفهم ما إذا كان الآخرون يفعلون ذلك أيضًا".
أولمان مهتمٌّ منذ زمنٍ طويلٍ بما يُعرف بالفيزياء الحدسية، تخيّلوا الدماغ وهو يستحضر كرةً وهي تتدحرج إلى أسفل التل، أو يُدقّ ناقوس الخطر بشأن جسمين على مسار تصادمٍ مُؤكّد.
تساءل أولمان قائلاً: "كيف نتفاعل مع العالم المادي من حولنا؟".
وأضاف: "أؤمن بنظرية أن الدماغ قد يُجري محاكاة ذهنية، أشبه بألعاب الفيديو".
لا يُمكن أن تكون هذه محاكاة مثالية للبيئات الفيزيائية، حتى على مستوى الذرات والجزيئات، لذا، عمل مختبر أولمان على فهم أنواع الاختراقات والحلول البديلة التي تُمكّن من إجراء محاكاة ذهنية.
وأضاف "إن الخيال البشري رائع حقًا، ونحن نجد أن الكثير من الناس مهتمون جدًا بكيفية عمله".

حدود قدرة الإدراك البشري
استكشفت مجموعة كبيرة من الأبحاث حدود قدرة الإدراك البشري، أو عدد الأشياء التي يستطيع الدماغ تتبعها في مشهد بصري.
يقول أولمان: "ربما تكون والدًا يراقب أطفالًا متعددين، أو ربما منقذًا في الخدمة، من البديهي أنك لا تستطيع تتبع كل شيء" .
وجد علماء الأعصاب وعلماء النفس وخبراء النماذج الحاسوبية أن التتبع البصري يقتصر على عدد قليل من الأجسام المتحركة، لكن قليلين هم من استكشفوا حدود قدرة الخيال.
في الدراسة الجديدة، عُرض على المشاركين عبر الإنترنت رسم متحرك لكرة ترتد، كما لو كانت في ملعب راكيت بول، قبل أن تختفي.
وشاهد آخرون كرتين ترتد كل منهما بإيقاعين مختلفين تمامًا قبل اختفائها.
كما طُوِّر نموذجان حاسوبيان لشرح كيفية تتبع الخيال لهذه الكرات غير المرئية حتى لحظة اصطدامها.
افترض النموذج الأول تحريك عدة أجسام بالتوازي، بينما تصور النموذج الثاني تحريك كل كرة بشكل مستقل وبتسلسل.
وجد أولمان وبالابان أن مُجنّديهم عبر الإنترنت بارعون جدًا في توقع موعد سقوط كرة واحدة غير مرئية على الأرض، لكنّهم فشلوا في تتبّع اثنتين منها.
قال أولمان، مشيرًا إلى مدى موثوقية التمرين في إحداث الضحكات: "لقد كان الأمر أصعب مما توقعه أي منا".
بناءً على نتائج سابقة، اعتقد الباحثون المشاركون في البداية أن الخيال قادر على تتبع ثلاثة أو أربعة أشياء تقريبًا، وكانت هناك أيضًا أسباب بديهية للاعتقاد بأن عين العقل قادرة على تحريك عدة أشياء بالتوازي.
في الواقع، وجدت تجربة متابعة أن المشاركين كانوا أفضل قليلاً في تتبع كرتين تحركتا بتناغم قبل اختفائهما، لكن الأداء ظل ضعيفاً مقارنةً بتجربة متابعة أخرى، حيث تتبع المشاركون كرتين ظلتا مرئيتين حتى لحظة الاصطدام.
وعندما يتعلق الأمر بتتبع الأشياء المختفية، وجد الباحثون أن الخيال البشري يعتمد إلى حد كبير على نموذج تسلسلي، فيحرك كل قطعة واحدة تلو الأخرى.
في دراسة متابعة منفصلة، تم اختبار إمكانية الحفاظ على الطاقة العقلية باستخدام نموذج تسلسلي.
ففي النهاية، يتطلب تشغيل محاكاة باستخدام النموذج المتوازي جهدًا أكبر.
تخيل جهاز كمبيوتر يُجري عمليات محاكاة متعددة في آنٍ واحد.
أوضح أولمان: "عرضنا على المشاركين مبلغًا كبيرًا من المال إذا نجحوا في ذلك، لكن يبدو أن ذلك لم يُحدث فرقًا".
بالنسبة لأولمان، تفتح هذه النتائج آفاقًا جديدة ومثيرة.
قال أولمان: "لقد أُجريت أبحاثٌ لعقودٍ طويلة حول كيفية استخدام العقل للحيل الذكية لتتبع ما هو أمامنا، لكن لم يُجرَ سوى القليل من الأبحاث حول حيل وحدود عين العقل، أتصور أن هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به في هذا المجال".

