دراسة جينية تقترح طرقًا للكشف المبكر عن سرطان الدم
مع تقدمنا في العمر، تتكاثر خلايانا، وقد يتعرض الحمض النووي في هذه الخلايا لأخطاء، أو طفرات، في كل مرة يُنسخ فيها التسلسل.
معظم الطفرات المكتسبة حديثًا غير ضارة، لكن بعضها قد يُرجّح كفة الإصابة بالسرطان في مراحل لاحقة من الحياة.
تُظهر دراسةٌ أن هذه الطفرات المكتسبة حديثًا تتفاعل مع الطفرات الموروثة لدينا - تلك التي تنتقل إلينا من آبائنا - بطرقٍ مهمة تُؤثر على خطر الإصابة بالسرطان طوال حياة الشخص.
يمكن أن يُسهم فهم هذه التفاعلات في تطوير أساليب جديدة للكشف المبكر عن السرطان والوقاية منه.
خطر الإصابة بسرطان الدم
ركز البحث، الذي نُشر في مجلة Nature Genetics، بشكل خاص على خطر الإصابة بسرطانات الدم مثل سرطان الدم النخاعي الحاد (AML)، على الرغم من أن التفاعلات بين الطفرات الموروثة والمكتسبة من المرجح أن تلعب أدوارًا في أنواع أخرى من السرطان.
تنتقل الطفرات الوراثية في البويضة والحيوانات المنوية، وبالتالي فهي موجودة في كل خلية منذ الولادة، بينما تتراكم الطفرات المكتسبة تدريجيًا مع التقدم في السن في خلايا مختلفة.
شرع فريق البحث في فهم كيفية تأثير التفاعلات بين هذين النوعين من الطفرات على خطر إصابة الشخص بسرطان الدم .
ركزوا تحديدًا على حالة دموية تُسمى تكون الدم النسيلي، المعروف عنها أنها تزيد من خطر الإصابة بسرطان الدم.
يحدث تكون الدم النسيلي نتيجة طفرة في الخلايا الجذعية الدموية - وهي الخلايا التي تُنتج جميع أنواع الخلايا المختلفة في الدم - مما يمنح هذه الخلايا ميزة بقاء طفيفة مقارنةً بالخلايا الجذعية الطبيعية.
تتكاثر هذه النسخ من الخلايا الجذعية بشكل أكبر، وتكون معرضة لخطر التحول إلى سرطان الدم.
قال الباحثون: "معظم المصابين بتكون الدم النسيلي لا يُصابون بسرطان الدم. إلى حد ما، إنها عملية شيخوخة طبيعية، ومع ذلك، نعتقد أن العديد من الأفراد - إن لم يكن جميعهم - الذين يُصابون بسرطان الدم يمرون بمرحلة تكون الدم النسيلي في مرحلة ما، ما زلنا في المراحل الأولى من محاولة تحديد الأفراد المصابين بتكون الدم النسيلي الذين سيُصابون بسرطان الدم والذين لن يُصابوا به".
بدراسة البيانات الجينومية لأكثر من 730 ألف شخص، بما في ذلك عينات الدم، وجد الباحثون أن تكون الدم النسيلي كان أكثر شيوعًا بين أولئك الذين لديهم طفرات وراثية في جينات معينة معروفة بالفعل بزيادة خطر الإصابة بالسرطان.
كما وجدوا أن هذه الطفرات الموروثة كان لها تأثير على أنماط الطفرات المكتسبة حديثًا التي تسبب تكون الدم النسيلي.
إذا استمرت نسخ الخلايا الجذعية في اكتساب عدد قليل من الطفرات الضارة، فقد يتحول تكون الدم النسيلي إلى سرطان دم، مثل ابيضاض الدم النقوي الحاد (AML)، حيث تتوقف الخلايا عن القيام بوظائفها وتتكاثر حتى تزاحم الخلايا السليمة.
وبهدف إيجاد طرق للكشف عن الخلايا السرطانية السابقة والقضاء عليها لدى الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بسرطان الدم، وجدت بولتون وزملاؤها أن الأفراد الذين لديهم تكون الدم المستنسخ، والذين ورثوا طفرات تزيد من استعدادهم لتكوين الدم المستنسخ، كانوا أكثر عرضة للإصابة بسرطان الدم من أولئك الذين لا يحملون طفرات موروثة.
قال الباحثون: "دراستنا هي نظرة أولى على الخلفية الجينية الموروثة التي تُشكّل التربة، إن صح التعبير، ونرى أي البذور غير المرغوب فيها التي تُكتسب في مرحلة لاحقة من العمر أكثر أو أقل احتمالًا للنمو من تلك التربة".
وأضاف الباحثون: "الهدف هو القضاء على هذه الأعشاب الضارة مبكرًا، قبل أن تتجذر وتتحول إلى سرطان كامل".
على الرغم من أن تكون الدم النسيلي جزء من الشيخوخة الطبيعية، إلا أن عوامل معينة، مثل التدخين أو التعرض السابق للإشعاع أو العلاج الكيميائي، يمكن أن تُسرّع هذه العملية وتزيد من خطر تحولها إلى سرطان.
ومع ذلك، يتطور لدى بعض الأشخاص السرطان دون وجود عوامل خطر بيئية رئيسية، وتشير الدراسة الجديدة إلى أن تفاعل جينومهم الموروث مع الطفرات المكتسبة حديثًا يلعب دورًا مهمًا في تطور هذا السرطان.
أشار الباحثون إلى أن "من المثير للاهتمام أن نرى كيف يمكن لدمج البيانات الجينومية واسعة النطاق أن يكشف عن كيفية تأثير الطفرات الموروثة والمكتسبة معًا على خطر الإصابة بالسرطان، تُقرّبنا هذه الرؤى من تحديد الأفراد المعرضين لخطر كبير قبل تطور السرطان".

التدخل المبكر
وقال الباحثون إن القدرة على اكتشاف وقياس كل من خطر الإصابة بالسرطان الوراثي وتكوين الدم المستنسخ من المرجح أن تكون وسيلة قوية لتحديد الأفراد الذين قد يستفيدون أكثر من استراتيجيات الوقاية المبكرة، مثل العلاجات المستهدفة للطفرات الأكثر ضررا.
في الوقت الحالي، يصعب تحديد تكوين الدم النسيلي دون فحوصات دم متخصصة لا تُجرى كجزء من الرعاية الروتينية.
ورغم أن هؤلاء الأفراد يمتلكون بالفعل نسخًا مستنسخة تشغل نسبة أكبر من خلاياهم الجذعية الدموية، إلا أنهم لا يزالون قادرين على إظهار تعداد طبيعي لخلايا الدم كجزء من فحوصات الدم التي تُجرى عادةً في زيارة طبية سنوية، على سبيل المثال.
نظريًا، إذا عرف العلماء الطفرات الجينية التي يجب البحث عنها، فقد يطورون فحوصات دم جديدة لتحديد هؤلاء الأفراد قبل اكتشاف أي دليل على وجود مشكلة من خلال فحوصات الدم الروتينية.
تُبرز الدراسة الجديدة العديد من الجينات المهمة التي قد تكون أساسية في تطوير فحص دم مماثل في المستقبل.

