رابط جيني جديد للألم يوفر هدفًا دوائيا واعدا
الألم المزمن يُغيّر مجرى الحياة، ويُعتبر أحد الأسباب الرئيسية للإعاقة عالميًا، مما يُصعّب الحياة اليومية لملايين الناس حول العالم، ويُفاقم الأعباء الشخصية والاقتصادية.
ورغم النظريات المُثبتة حول الآليات الجزيئية الكامنة وراءه، لم يتمكن العلماء حتى الآن من تحديد العمليات الدقيقة في الجسم المسؤولة عنه.
في تعاون مثير، تمكن فريق من الباحثين من تحديد رابط جيني جديد للألم، وتحديد بنية الناقل الجزيئي الذي يشفره هذا الجين، وربط وظيفته بالألم.
تُقدّم نتائج البحث هدفًا جديدًا واعدًا ومحددًا لتطوير دواء لتخفيف الألم المزمن . نُشرت ورقة بحثية بعنوان "SLC45A4 هو جين ألم يُشفّر ناقلًا عصبيًا متعدد الأمين" في مجلة Nature.
في العديد من حالات الألم المزمن، تُفرط مستقبلات الألم - وهي خلايا عصبية تستشعر إصابة الأنسجة - في إرسال إشارات ألم كثيرة إلى الدماغ، مما يُسبب ضيقًا أكبر من المعتاد.
لا يزال تنظيم هذه الإشارات غير مفهوم تمامًا، على الرغم من أن بعض الدراسات ربطت هذه التغيرات بالبوليامينات - وهي مواد كيميائية طبيعية يُنتجها الجسم لمساعدة الخلايا على أداء وظائفها الطبيعية.
مع مرور الوقت، يُعتقد أن ارتفاع تركيز البوليامينات يُسهم في فرط حساسية الخلايا العصبية، مُسببًا تلفًا طويل الأمد، ويؤدي في النهاية إلى ألم مزمن، وذلك بإرسال إشارات ألم إلى الدماغ أكثر من المعتاد.
هذا يعني أن حتى المحفزات الخفيفة قد تُسبب ألمًا أكثر من المعتاد.
مع ذلك، لم تُثبت هذه النظريات حتى الآن، فبدون هدف معروف ومحدد، يصعب علاج الألم المزمن، مما أدى إلى الاعتماد على القوة الغاشمة والمسكنات الأفيونية القوية.
ورغم فعاليتها في تخفيف الألم، إلا أن هذه الأدوية تؤثر في مسارات دماغية متعددة، وقد تُسبب الإدمان، مما يؤدي إلى آثار صحية عميقة وطويلة الأمد.

الألم المزمن
قال الباحثون: "لا يزال الألم المزمن يُمثل مشكلة مجتمعية جسيمة، إذ يزداد شيوعًا، وتفشل العلاجات الحالية في علاجه. نحن بحاجة إلى فهم الآليات الكامنة وراء الألم المزمن لدى البشر، والأهم من ذلك، تحديد أهداف جديدة للأدوية المسكنة للألم".
لفهم سبب تأثر بعض الأشخاص بالألم المزمن بشكل أكبر، استخدم فريق البحث البنك الحيوي البريطاني لمقارنة البيانات الجينية مع إجابات المشاركين على استبيان حول الألم، ووجدوا أن الأشخاص الذين يحملون متغيرًا من الجين SLC45A4 كانوا أكثر عرضة للإبلاغ عن مستويات أعلى من الألم.
وقد تكررت هذه النتائج عند استخدام بيانات من دراسات سكانية رئيسية أخرى، مثل FinnGen.
شرع الباحثون بعد ذلك في فهم ما يُشفّره هذا الجين.
وأوضح الباحثون: "كان ربط SLC45A4 بالألم المزمن لدى البشر أمرًا مثيرًا للاهتمام، لكن التحدي التالي كان كشف دور SLC45A4 في الجسم بدقة".
وأضافوا: "من اللافت للنظر أننا اكتشفنا أن SLC45A4 هو ناقل البوليامين العصبي الذي طال انتظاره، وهو مهم بشكل خاص في تنظيم كيفية استجابة بعض الأعصاب للمحفزات المؤلمة، وقد وسّع هذا فهمنا لإشارات الألم في الجسم، وفتح آفاقًا بحثية جديدة تُعنى بعلاج الألم المزمن، ويُجسّد عملنا قوة علم الاكتشاف والتعاون متعدد التخصصات".
حدد الفريق بنية الناقل في البشر، وهي المرة الأولى التي يتم فيها ذلك بتقنية ثلاثية الأبعاد، مؤكدين أنه مسؤول عن إرسال البوليامينات عبر الخلايا العصبية.
اكتشف فريق البحث أيضًا وجود هذا الجين بمستويات عالية في العقدة الجذرية الظهرية، وهي المنطقة التي تحمل فيها الخلايا العصبية الحسية المعلومات من الجلد والعضلات.
الخلايا العصبية في هذه المنطقة مسؤولة عن استشعار الألم، وعدد الإشارات المرسلة إلى الدماغ مسؤول عن تعديل استجابتنا للألم.
أُجريت تجارب على فئران تفتقر إلى جين SLC45A4، وهو جين مشترك بينها وبين البشر، وأظهرت الحيوانات استجابة أقل لمحفزات الألم التقليدية.
الجهاز العصبي للفأر ليس مطابقًا للبشر، ولكن هناك العديد من الآليات الأساسية المشتركة بينهما، وبين البشر والثدييات الأخرى، مما يُبشر بأبحاث مستقبلية حول جين SLC45A4.
قال الباحثون: "تتحقق اكتشافات مهمة عندما نفهم كيفية عمل الأنسجة والأعضاء المعقدة في أجسامنا وتواصلها. تلعب ناقلات الأغشية دورًا أساسيًا في هذا التواصل، وتكشف نتائجنا الآن عن رابط جديد بين نقل الأغشية والألم المزمن، مما يمهد الطريق لفهم أعمق لكيفية ارتباط عملية الأيض والألم في جسم الإنسان".
وبإجراء المزيد من الأبحاث، إذا أمكن تطوير دواء ناجح، فقد يتمكن من تقليل الألم المزمن طويل الأمد دون الاعتماد على المواد الأفيونية القوية، مما يؤدي إلى علاجات أكثر أمانًا وفعالية للمرضى في جميع أنحاء العالم.

