ما يكشفه تصلب أنسجة الرئة عن المراحل المبكرة من التليف
غالبًا ما يكون تليف الرئة مرضًا صامتًا حتى فوات الأوان، فبحلول وقت تشخيص المرضى، يكون تندب أنسجة الرئة قد تقدم.
لا تقدم العلاجات الحالية سوى إبطاءٍ لما لا مفر منه. ولكن ماذا لو استطعنا فهم الخطوات الأولى لهذا المرض قبل أن يبدأ الضرر الذي لا رجعة فيه؟
هذا هو السؤال الذي سعت كلوديا لوبيل، الأستاذة المساعدة في الهندسة الحيوية بشركة ريلاينس إندستريز، ودنيا أحمد، طالبة الدكتوراه في مختبر لوبيل، للإجابة عليه.
تستكشف ورقتهما البحثية المنشورة في مجلة Nature Materials، وهي دراسة تعاونية شملت جامعات بنسلفانيا وميشيجان ودريكسل، كيف يمكن للتغيرات الطفيفة في البيئة الميكانيكية لأنسجة الرئة أن تُطلق التفاعل المتسلسل الذي يؤدي إلى التليف الرئوي.

نهج جديد لمرض مستعصي
من المعروف أن تليف الرئة من الأمراض التي يصعب تشخيصها وعلاجها.
تقول لويبل: "بمجرد تشخيص المرض، لا يُعطى للمرضى سوى دواءين معتمدين من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، وكلاهما يُبطئان المرض فحسب، لكنهما لا يُوقفانه أو يُعاكسانه. والأسوأ من ذلك أننا غالبًا لا نعرف سببه أصلًا، وبالتالي لا نملك فكرة واضحة عن كيفية الوقاية منه".
ركزت معظم الأبحاث حتى الآن على المراحل المتأخرة من المرض، عندما تكون الأنسجة قد تصلبت وتندبت بالفعل. قرر لويبل وأحمد عكس ذلك، ودرسا بدلاً من ذلك ما يحدث عند بداية المرض، وتحديدًا، بحثا في كيفية تأثير تصلب الأنسجة وحده على سلوك الخلايا في الرئتين، مما يفتح آفاقًا جديدةً لفهم التليف الرئوي أثناء تطوره.
تسليط الضوء على المشكلة
باستخدام تقنية تُسمى الربط الضوئي الكيميائي، عرّض الباحثون أنسجة الرئة للضوء الأزرق ، مما أدى إلى تصلب المصفوفة خارج الخلية - السقالة الليفية المحيطة بالخلايا.
وعلى عكس الأشعة فوق البنفسجية التقليدية، يُعدّ الضوء الأزرق ألطف على الخلايا الحية، مما يجعله مثاليًا لدراسة الأنسجة الحية.
وباستخدام هذه الومضات من الضوء الأزرق، تمكن الفريق من تحديد مكان تصلب الأنسجة في أنسجة الرئة لدى الفئران السليمة والبشر.
تقول دنيا أحمد: "تخيلوا النسيج خارج الخلوي كشعرٍ مُنسدلٍ على شكل ذيل حصان. باستخدام تقنية الربط الضوئي، نقوم بتضفيره، مما يُقوّي الأنسجة بما يكفي لمحاكاة الإصابات الدقيقة التي قد تُسبب التليف".
ما يميز هذا النهج هو أن الفريق لم يستخدم مواد هلامية مُهندَسة أو أنسجة منزوعة الخلايا، بل عملوا على عينات أنسجة حية سليمة.
إن الحفاظ على التفاعلات الطبيعية بين الخلايا والمصفوفة يجعل تقنيتهم أداة فعّالة لفهم الاستجابات الآنية للتغيرات الميكانيكية في الرئة.
مع تصلب الأنسجة تحت الضوء، لاحظ أحمد أن الخلايا بدأت تتمدد، وتغير شكلها. ولم يكن الأمر مجرد تغيير شكلي، بل كان هذا التمدد المادي علامة على تحول الخلايا إلى نوع مختلف من الخلايا.
ولكن بعد ذلك توقفوا.
رُصدت هذه الخلايا "الانتقالية" سابقًا في عينات أنسجة ليفية، لدى الفئران والبشر على حدٍ سواء، لكن ما لم يُفهم حتى الآن هو كيفية وصولها إلى هناك.
ويشير نموذج لويبل وأحمد إلى أن التغيرات في تصلب الأنسجة وحدها يمكن أن تدفع الخلايا إلى البدء في التحول، وعندما تتعطل، فإنها تساهم في التصلب الذي أثارها - مما يؤدي إلى إنشاء حلقة تغذية مرتدة محتملة تعمل على تسريع المرض.
مشكلة ميكانيكية ذات عواقب بيولوجية
رغم أن بيولوجيا التليف تمت دراستها منذ فترة طويلة، فإن هذا المشروع يعيد صياغة المرض كمشكلة ميكانيكية.
تقول دنيا أحمد: "أحب التفكير في هذا الأمر من منظور الهندسة الميكانيكية. فالأمر لا يقتصر على الإشارات الكيميائية فحسب، بل للبيئة الفيزيائية أهمية بالغة".
لقياس مدى صلابة الأنسجة، استخدم الفريق أداةً هندسيةً تُسمى "نانو إندينتر"، وهي أداةٌ هندسيةٌ تُستخدم عادةً لاختبار مواد مثل البلاستيك أو المعادن.
طبّقوها على أنسجةٍ بيولوجية، مُوفرين بذلك بياناتٍ دقيقةً حول كيفية تغير الصلابة آنيًا.
يقول ماثيو لي تان، المؤلف الرئيسي المشارك: "نتمتع بموقع فريد لمعالجة هذه المشكلة بفضل خبرتنا في كل من الهندسة والبيولوجيا. وهذا يُمكّننا من تحديد فرص تطبيق الأدوات الهندسية لدراسة الأمراض واكتشاف رؤى بيولوجية جديدة".
الفرضية الرئيسية للفريق هي أن هذه الخلايا المستجيبة مبكرًا، بمجرد دخولها في حالة انتقالية، تُهيئ الأرضية لتطور التليف. فهي لا تفقد وظيفتها الأصلية فحسب، بل تُقوّي الأنسجة المحيطة بها بنشاط، مما يجعل البيئة أكثر جاذبية للخلايا المُحفّزة للتليف.
وبينما ركزت هذه الدراسة على الخلايا الظهارية - تلك الموجودة عند الواجهة بين أنسجة الرئة والهواء - يخطط الباحثون لتوسيع نطاق عملهم ليشمل لاعبين رئيسيين آخرين في التليف: الخلايا البلعمية، والأرومات الليفية، والعدلات.
تقول لويبل: "هذه مجرد خطوة أولى. الآن وقد صممنا هذه الأداة، يُمكننا استخدامها لدراسة إسهامات كل خلية على حدة في التليف، ليس فقط في الرئتين، بل ربما في أعضاء أخرى مثل الكبد أو الجلد، حيث يُسبب التليف أيضًا مشاكل صحية خطيرة".
مخطط للعلاجات المستقبلية
وفي نهاية المطاف، فإن الأمل هو أنه من خلال فهم كيفية تأثير التصلب على الخلايا في المراحل الأولى من التليف، يمكن للعلماء والأطباء التنبؤ بشكل أفضل بمن هو المعرض للخطر ومتى يجب التدخل.
تقول لويبل: "نحن لا نحاول إعادة إنتاج التليف في المختبر، بل نحدد نقطة بدايته. إذا استطعنا فهم المستجيبين الأوائل، يمكننا العمل على إيجاد علاجات تمنع حدوث هذا الانهيار".

