ما علاقة الاكتئاب باختلال التوازن في الجهاز المناعي؟
يتميز اضطراب الاكتئاب الشديد (MDD) بانخفاض الحالة المزاجية وفقدان الاهتمام، مما يُسهم ليس فقط في صعوبات الحياة الأكاديمية والمهنية.
كما يُعدّ اضطراب الاكتئاب الشديد أيضًا سببًا رئيسيًا للانتحار في كوريا الجنوبية.
ومع ذلك، لا توجد حاليًا أي مؤشرات بيولوجية موضوعية يُمكن استخدامها للتشخيص أو العلاج.
وفي ظل هذا، كشف فريق بحثي من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا أن الاكتئاب ليس مجرد مشكلة في العقل أو الدماغ، بل إنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتشوهات في الاستجابة المناعية الشاملة للجسم.
ووجد الباحثون أن هذا الخلل المناعي يؤثر على وظائف المخ، وأن اختلال "المحور العصبي المناعي" هو الآلية الأساسية للاكتئاب، مما يفتح المجال أمام اكتشاف مؤشرات حيوية جديدة وتطوير أدوية جديدة لعلاج الاكتئاب.
أجرى فريق البحث التابع للبروفيسور جينجو هان بالتعاون مع فريق البحث التابع للبروفيسور يانجسيك كيم من كلية الطب بجامعة إينها، تحليلًا متعدد الأوميكس يجمع بين تحليل الدم وتحليل الخلايا الفردية وأعضاء الدماغ المشتقة من المريض (الأدمغة الصغيرة).
نُشرت الدراسة في مجلة Advanced Science.
ركزت الدراسة على مريضات يعانين من اضطراب الاكتئاب الشديد، واللاتي أظهرن سمات غير نمطية (مثل فرط النوم والإفراط في تناول الطعام) وأعراض ذهانية (مثل الهلوسة السمعية، والشعور المفرط بالذنب، ولوم الذات)، والتي تتعارض مع أعراض الاكتئاب النموذجية، واللواتي كان لديهن أيضًا ضعف في حكم الواقع.

تغيرات الخلايا المناعية ووظائف المخ
قام فريق البحث بفحص التغيرات الجينية في الخلايا المناعية في الدم، والتغيرات في البروتينات المرتبطة بالجهاز العصبي، في آنٍ واحد. وأكدت النتائج وجود خلل في توازن التفاعل المناعي العصبي لدى مرضى الاكتئاب.
غالبًا ما يُظهر اضطراب الاكتئاب الرئيسي، وخاصةً لدى الشابات، أعراضًا غير نمطية (مثل فرط النوم، والإفراط في تناول الطعام، وتقلب المزاج، وغيرها)، مما يزيد من خطر تشخيصه لاحقًا بالاضطراب ثنائي القطب.
علاوةً على ذلك، يُصنف حوالي 40% من المرضى على أنهم مصابون باكتئاب مقاوم للعلاج، ولا يُظهرون أي استجابة لمضادات الاكتئاب المختلفة.
ونتيجة لذلك، كانت هناك دعوة مستمرة لتطوير استراتيجيات علاجية جديدة واكتشاف المؤشرات الحيوية القائمة على المناعة والتمثيل الغذائي، والتقدم إلى ما هو أبعد من النهج التقليدي الذي يركز على الأدوية.
نموذج جديد للبحث في الطب النفسي
قدم فريق البحث أول نهج للطب الدقيق في العالم من خلال دمج تحليل البروتينات البلازمية وتحليل النسخ الجيني للخلايا الفردية للكريات البيضاء وتحليل العضويات الدماغية التي تم إنشاؤها من الخلايا الجذعية متعددة القدرات المستحثة المشتقة من المريض (iPSCs).
أظهرت النتائج أن مرضى الاكتئاب غير النمطي أظهروا مستويات عالية من التوتر والقلق والاكتئاب. علاوة على ذلك، ارتفعت مستويات البروتينات الضرورية للإشارات بين الخلايا العصبية (DCLK3 وCALY) بشكل ملحوظ مقارنةً بالمستويات الطبيعية، كما ارتفعت مستويات بروتين المكمل C5، الذي يعزز الاستجابة المناعية للجسم بشكل كبير. يشير هذا إلى فرط نشاط كلٍّ من "وظيفة الدماغ" و"وظيفة المناعة" واختلال توازنهما داخل الجسم.
تؤكد هذه النتيجة أن الاكتئاب ليس مجرد مشكلة مزاجية، بل يرتبط بتغيرات بيولوجية تحدث في جميع أنحاء الجسم.
عند فحص الخلايا المناعية لمرضى الاكتئاب، وُجدت تغيرات جينية تجعل الاستجابات الالتهابية في الجسم تحدث بسهولة وقوة أكبر من المعتاد.
ويعني هذا أن الجهاز المناعي بأكمله في حالة من النشاط المفرط، وقد يؤثر هذا الخلل المناعي/الالتهابي على تطور الاكتئاب.
أظهرت العضويات الدماغية المأخوذة من المرضى تأخرًا في النمو وتطورًا عصبيًا غير طبيعي، مما يدعم إمكانية تفاعل التشوهات المناعية مع التغيرات في وظائف المخ لتفاقم المرض.
آلية أساسية للاكتئاب غير النمطي
دمجت هذه الدراسة البيانات السريرية، وعلوم الخلية الواحدة، والبروتينات، والأعضاء الدماغية لإثبات أن "اختلال التوازن في المحور المناعي العصبي" هو الآلية الأساسية لاضطراب الاكتئاب المزمن المصحوب بأعراض غير نمطية وذهانية.
صرح البروفيسور جينجو هان قائلاً: "يُقدم هذا الإنجاز نموذجًا جديدًا للطب الدقيق في مجال أبحاث الطب النفسي. ونتوقع أن يُسهم هذا بشكل فعّال في اكتشاف المؤشرات الحيوية وتطوير أدوية جديدة".

