الأحد 19 يوليو 2026 الموافق 05 صفر 1448
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر

تأثير سوء معاملة الأطفال على الصحة العقلية لهم

الأربعاء 17/ديسمبر/2025 - 03:42 م
سوء معاملة الأطفال
سوء معاملة الأطفال


أجرى فريق بحثي دراسة رائدة أثبتت وجود علاقة سببية بين سوء معاملة الأطفال (CM) والعديد من الاضطرابات النفسية العصبية.

من خلال استخدام التحليل الجينومي على البيانات العصبية والنفسية لأكثر من 500 ألف فرد وبيانات CM لأكثر من 140 ألف  حالة، وجدت الدراسة أن ضحايا CM يواجهون خطرًا متزايدًا بنحو خمسة أضعاف للإصابة بالفصام طوال حياتهم.

علاوة على ذلك، تشير النتائج إلى أن اضطراب ما بعد الصدمة يزيد بشكل ملحوظ من خطر الإصابة باضطرابات نفسية عصبية متعددة من خلال تغيير أنماط السلوك والقدرات المعرفية والتغيرات الجينية، مما يوفر دليلاً علمياً لتطوير استراتيجيات أكثر دقة للتدخل المبكر والوقاية.

نُشرت الدراسة في المجلة البريطانية للطب النفسي.

إساءة معاملة الأطفال

صنّفت منظمة الصحة العالمية الاعتداء الجنسي على الأطفال كأحد التحديات الصحية العالمية، ويشمل أشكالاً مختلفة كالإيذاء الجسدي والنفسي والاعتداء الجنسي والإهمال.

ويُثير الوضع في هونج كونج قلقاً بالغاً، إذ أفادت إدارة الرعاية الاجتماعية بارتفاع حاد في حالات الاعتداء الجنسي المبلغ عنها حديثاً من 940 حالة عام 2020 إلى 1504 حالات عام 2024، أي بزيادة قدرها 60%.

تشير الأبحاث إلى أن الأطفال الذين يتعرضون لسوء المعاملة أكثر عرضة لصعوبات التفاعل الاجتماعي، ونقص الانتباه، والسلوكيات العدوانية أو التخريبية خلال مراحل نموهم. ومع ذلك، غالبًا ما يتم تجاهل هذه العلامات التحذيرية المبكرة.

إن عدم تشخيص هذه المشاكل أو التدخل الفوري بشأنها قد يؤدي إلى تفاقمها، وربما تحولها إلى اضطرابات نفسية حادة، مما يفرض عبئًا كبيرًا على الرعاية الصحية والاقتصاد على المجتمع.

من خلال دمج مجموعات بيانات جينومية واسعة النطاق من بنك البيانات الحيوية في المملكة المتحدة واتحاد علم الجينوم النفسي، قام فريق البحث بتحليل بيانات عصبية نفسية لما يصل إلى 500 ألف فرد، وبيانات تشوهات خلقية من أكثر من 140 ألف شخص.

وقد نجح هذا الجهد في إثبات وجود علاقة سببية بين التشوهات الخلقية والعديد من الاضطرابات العصبية النفسية، مع تحديد عوامل الخطر الرئيسية والعلامات الجينية المرتبطة بزيادة القابلية للإصابة بهذه الاضطرابات.

مخاطر الصحة العقلية

كشفت النتائج أن الأفراد الذين يعانون من اضطراب الشخصية الحدية يواجهون مخاطر صحية نفسية مرتفعة بشكل ملحوظ: زيادة خطر الإصابة بالفصام بمقدار خمسة أضعاف، وزيادة خطر الإصابة باضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD) بمقدار تسعة أضعاف، وضعف خطر الإصابة بالاكتئاب الشديد تقريبًا. على المستوى البيولوجي، اكتشفت الدراسة أن اضطراب الشخصية الحدية يترك علامات فوق جينية على الجينوم تُعرف باسم "مثيلة الحمض النووي".

تمثل هذه العلامات، التي يمكن أن تتأثر بالعوامل البيئية وعادات نمط الحياة وحتى الضغط النفسي، ندوبًا فوق جينية طويلة الأمد ناجمة عن اضطراب الشخصية الحدية.

من بين آلاف هذه المؤشرات، حدد الباحثون عشرة مواقع جينية بالقرب من تسعة جينات حيوية.

الجدير بالذكر أن ثلاثة من هذه الجينات - CLU وMAPT وHNRNPK - مرتبطة بأمراض تنكسية عصبية، بما في ذلك مرض الزهايمر ومرض باركنسون واضطرابات إدراكية أخرى.

تشير هذه النتيجة إلى أن CM قد يؤثر على بعض المسارات البيولوجية نفسها التي تشارك في كل من الاضطرابات النفسية العصبية والأمراض التنكسية العصبية.

أوضح الدكتور برايان تشونج هون-يين، قائلاً: "تعتمد الدراسات التقليدية بشكل أساسي على المتابعات طويلة الأمد والاستبيانات، والتي تتأثر بعوامل مُربكة، مثل البيئة والخلفية الاجتماعية للفرد، هذه العوامل المُربكة تجعل من الصعب تقييم الآثار طويلة الأمد للطب التكميلي بدقة، مما يؤدي إلى نقص في الأدلة القوية اللازمة لوضع السياسات والتدخلات السريرية".

وأضاف: "فريقنا هو الأول الذي يستخدم أساليب الجينوم وعلم التخلق، باستخدام نهج خالٍ من الفرضيات لتحليل كيفية تأثير CM على الدماغ والتعبير الجيني، وبالتالي تحديد فرص التدخل وتوفير أساس للوقاية والعلاج".

وأضاف الدكتور تشونج: "تُظهر أبحاثنا أن اعتلال الدماغ النخاعي المزمن قد يُخلّف آثارًا جينية طويلة الأمد ويؤثر على الجينات المرتبطة بالأمراض التنكسية العصبية، ومن خلال تحديد مؤشرات مثيلة الحمض النووي المحددة، نهدف إلى تطوير فحص مبكر للعلامات الحيوية للفئات السكانية عالية الخطورة في المستقبل، بل واستكشاف أهداف علاجية جديدة لتطوير الأدوية بهدف الحد من خطر الإصابة بالمرض من جذوره، وتُعد هذه الدراسة خطوة أولى مهمة".

3 عوامل قابلة للتعديل

وكشفت الدراسة كذلك أن تأثير إدارة المحتوى يتجاوز الضرر النفسي المباشر، فهو يزيد من خطر الإصابة بالأمراض العصبية والنفسية من خلال ثلاثة عوامل وسيطة: السلوكيات المرتبطة بالإدمان (مثل بدء التدخين، وقضاء وقت طويل أمام الشاشات، وتعاطي المخدرات)، والسمات المعرفية (مثل الوظائف التنفيذية، والذكاء، وتحمل المخاطر)، والعوامل الاجتماعية والاقتصادية، مثل التحصيل العلمي.

أوضح الدكتور تشونج قائلاً: "مع أن تأثير هذه العوامل يختلف باختلاف الاضطرابات النفسية العصبية، إلا أنها جميعًا قابلة للتعديل، ويمكن للتدخلات التي تهدف إلى تحسين السلوكيات، وتعزيز القدرات المعرفية، وتقديم الدعم التعليمي خلال مراحل النمو أن تقلل من المخاطر بشكل فعال، ومع ذلك، فإن المؤشرات الجينية طويلة الأمد التي يتركها تشوه كياري تقع بالقرب من جينات مرتبطة بأمراض التنكس العصبي، وقد يصعب عكسها، لذلك، يبقى منع تشوه كياري الاستراتيجية الأساسية لحماية الأطفال".