علاج غير جراحي لـ اضطرابات الجمجمة النادرة
يمكن لـ"مثبط الجينات" الذي يُوصل موضعيا بواسطة جسيمات نانوية مدمجة في هلام قابل للحقن أن يُوقف عمل الجين المعيب المسؤول عن أمراض نادرة وخطيرة تُعرف باسم تعظم الدروز الباكر.
تتميز هذه الحالات بتشوهات في الجمجمة، ولا يُمكن علاجها حاليًا إلا من خلال إجراءات جراحية بالغة التوغل تُجرى على حديثي الولادة، وغالبًا ما تُكرر خلال مرحلة الطفولة.
هذا هو الوعد الذي انبثق من دراسات نسقتها البروفيسورة واندا لاتانزي، أخصائية علم الوراثة الطبية، وقد نُشرت النتائج مؤخرًا في مجلتي Molecular Therapy Nucleic Acids و Regenerative Biomaterials.
تعظم الدروز الباكر
تُعدّ حالات تعظم الدروز الباكر اضطرابات خلقية في نمو الجمجمة والوجه، ناجمة عن التعظم المبكر وانغلاق دروز الجمجمة - وهي المناطق المرنة التي تتقارب عند ما يُعرف باليافوخ - مما يؤدي إلى تقييد نمو الدماغ وباقي التراكيب داخل الجمجمة.
وتُعتبر متلازمة كروزون، وهي أمراض وراثية نادرة، من أشدّ هذه الحالات، إذ تُصيب حوالي 16.5 حالة لكل مليون ولادة حية.
وتتميز هذه الحالة بتشوهات واضحة في الجمجمة والوجه، مما يؤدي إلى ضعف تدريجي في البصر والسمع والتنفس، وقد تُصبح هذه الحالة مُهددة للحياة إذا لم تُعالج مبكراً.

متلازمة كروزون
متلازمة كروزون ناتجة بشكل رئيسي عن طفرات في جين مستقبل عامل نمو الخلايا الليفية 2 (FGFR2)، مما يؤدي إلى تسارع مرضي في تكوين العظام عند دروز الجمجمة واستنزاف سريع لخلاياها الجذعية.
عادةً ما تنشأ طفرات FGFR2 تلقائيًا - أي أن المريض يحمل الطفرة بينما لا يحملها والداه - مما يجعل معظم الحالات متفرقة، ويصعب تشخيصها قبل الولادة بشكل خاص.
ونتيجة لذلك، يُشخَّص المرض عادةً عند الولادة من خلال الفحص السريري، وتقنيات التصوير، والاختبارات الجينية.
وتشمل البروتوكولات العلاجية الحالية إجراءات جراحية متعددة تبدأ خلال الأشهر الأولى من العمر، بما في ذلك توسيع الجمجمة جراحيًا لتخفيف الضغط على الدماغ النامي، مما يقلل من المضاعفات المصاحبة.
لسنوات عديدة، قام فريق البحث الذي ينسقه البروفيسور لاتانزي في قسم البيولوجيا الخلوية والتطبيقية (المدير: البروفيسور أورنيلا باروليني)، ضمن قسم علوم الحياة والصحة العامة، بالتحقيق في الآليات الكامنة وراء الأمراض الوراثية، مع التركيز بشكل خاص على الخلايا الجذعية العظمية كعناصر رئيسية وأهداف علاجية محتملة.
تم تنفيذ هذا العمل بالتعاون الوثيق مع البروفيسور أليساندرو أركوفيتو، الأستاذ الكامل في قسم العلوم البيولوجية الأساسية، والعناية المركزة، والعلوم السريرية المحيطة بالجراحة، والذي يركز بحثه على تطوير "الجسيمات النانوية" المتوافقة حيوياً - وهي حوامل مجهرية تستخدم بالفعل في الطب - لتوصيل الأدوية بدقة وبطريقة محكمة إلى الخلايا المحددة التي تحتاج إليها.
يرتكز هذا البحث التطبيقي بشكل أساسي على التعاون الوثيق مع الفريق الجراحي لوحدة جراحة الأعصاب للأطفال في مستشفى بوليكلينيكو جيميللي، بقيادة البروفيسور جيانبيرو تامبوريني.
وتُعد هذه الوحدة مركزًا مرجعيًا وطنيًا ودوليًا للرعاية متعددة التخصصات للمرضى المصابين بتشوه الجمجمة المبكر، وهي جزء من الشبكة المرجعية الأوروبية للأمراض القحفية الوجهية النادرة والمعقدة (ERN CRANIO).
على مر السنين، أتاحت هذه الدراسات فهمًا متعمقًا للآليات الجينية والخلوية التي تؤدي إلى التكلس المبكر للدرز في حالة تعظم الدروز القحفية، ومؤخرًا، تطوير أساليب علاجية مبتكرة غير جراحية.
منصة علاجية
نُشرت أحدث النتائج في مجلة "العلاج الجزيئي بالأحماض النووية".
في هذه الدراسة، التي قادتها الدكتورة فيديريكا تيبيريو، الباحثة الشابة في علم الأحياء الخلوي والتطبيقي بقسم علوم الحياة والصحة العامة، طُوّرت جزيئات لتثبيط الجينات تستهدف الجين المتحور على شكل جزيئات صغيرة من الحمض النووي الريبوزي المتداخل (siRNA).
وقد أظهرت هذه الجزيئات قدرتها على استعادة وظيفة الجين بشكل سليم، وبالتالي منع التكلس المبكر لدروز الجمجمة.
كما أثبتت الدراسة أن جزيئات siRNA قادرة على تصحيح وظيفة الجين المتحور واستعادة حيوية الخلايا الجذعية للمرضى، مما يحافظ على دروز الجمجمة مفتوحة.
تكمن الجوانب الأكثر ابتكارًا لهذا النهج البيوتكنولوجي في مستوى التخصيص العالي - حيث تم تصميم siRNAs خصيصًا لتصحيح الخلل الجيني الفردي المحدد في كل مريض - وفي قدرتها على إسكات النسخة المتحولة ("الأليل") من الجين بشكل انتقائي دون التأثير على نظيره السليم، وهو أمر ضروري لوظيفة الخلايا والأنسجة الطبيعية.
ولترجمة هذه التقنية إلى تطبيقات سريرية، أنجز الفريق نفسه دراسة جديدة نُشرت في مجلة " المواد الحيوية التجديدية"، حيث دمجوا جزيئات الحمض النووي الريبوزي المتداخل الصغير (siRNA) في استراتيجية هندسة الأنسجة.
وقد طوّر الباحثون الشباب مارتينا سالفاتي، وفيديريكا تيبيريو، ونوح جياكون، جزيئات نانوية قادرة على نقل مثبط الجين وتوصيله بشكل انتقائي إلى الخلايا المستهدفة، مما يعزز استقرارها الجزيئي ويضمن استمرار فعاليتها العلاجية بعد إعطائها.
يجمع نظام التوصيل بين هيدروجيل حيوي قابل للحقن وجزيئات نانوية من مادة PLGA، مما يُنتج جهازًا طبيًا قابلًا للحقن عبر الجلد وقابلًا للتشكيل، مصممًا لملء عيوب العظام ومناسبًا لتطبيقات جراحة الوجه والجمجمة المستقبلية.
وقد أظهرت الجزيئات النانوية كفاءة عالية في تغليف الحمض النووي الريبوزي المتداخل الصغير (siRNA)؛ فبعد إطلاقه من الهيدروجيل، حقق الحمض النووي الريبوزي المتداخل الصغير (siRNA) تثبيطًا يصل إلى 90% للجين المتحور، وأظهر مقاومة للتحلل.
أظهر النظام، عند طباعته بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، نمط إطلاق مُتحكم به، محافظًا على تثبيط فعال للجينات لمدة تصل إلى 20 يومًا بعد إعطائه.
لا تدعم هذه المنصة متعددة الوظائف تعديل FGFR2 في الأمراض فحسب، بل تحمل أيضًا إمكانات واعدة كدعامة قابلة للتخصيص لتوصيل مركبات حيوية أخرى، مما يُحسّن نتائج جراحة ترميم الجمجمة لدى الأطفال.
ويوضح البروفيسور لاتانزي قائلاً: "هذه النتائج مهمة لأنها تفتح الباب أمام نهج الطب الدقيق والتدخل الجراحي البسيط لعلاج متلازمة كروزون وغيرها من الحالات المرتبطة بتعظم الدروز الباكر".
وخلص الباحثون إلى أن هذا المسار البحثي يمثل، على المدى البعيد، نقلة نوعية في علاج تعظم الدروز الباكر: من الجراحة التصحيحية المتكررة إلى التدخل الموجه نحو الأسباب الجزيئية للمرض. ويفتح دمج علم الوراثة وتقنية النانو والطباعة ثلاثية الأبعاد آفاقًا ملموسة لعلاجات شخصية أقل توغلاً، يمكن تطبيقها في مراحل مبكرة جدًا من العمر، بهدف الوقاية من التشوهات بدلًا من مجرد تخفيف آثارها.
يوضح هذا العمل كيف يمكن للبحوث الانتقالية أن تحول الاكتشافات المختبرية إلى حلول سريرية مبتكرة للأمراض النادرة التي تفتقر حاليًا إلى بدائل علاجية فعالة.

