اكتشاف متغير جيني نادر يحمي من طفيل الملاريا
اكتشف العلماء أن مكونًا خاصًا في دم بعض الأشخاص يوفر لهم حماية طبيعية ضد الملاريا، وهو مرض يصيب الكثير من الناس في أنحاء مختلفة من العالم.
وقد أظهرت دراسة حديثة أن متغيرًا جينيًا يُسمى rs112233623-T يُقلل من نشاط جين CCND3، وهو جين يُساعد عادةً في تنظيم انقسام خلايا الدم الحمراء ونموها.
يُحفز هذا التغيير الجسم على إنتاج عدد أقل من خلايا الدم الحمراء، ولكن بحجم أكبر من المعتاد، كما يؤدي إلى ارتفاع مستويات أنواع الأكسجين التفاعلية (ROS) داخل الخلايا. وتُشكل هذه العوامل مجتمعةً بيئةً معاديةً لطفيلي الملاريا لكي ينمو ويتكاثر.
يوجد هذا المتغير الجيني لدى 10% من سكان سردينيا، وهي جزيرة في البحر الأبيض المتوسط، ولكنه نادر أو معدوم في أماكن أخرى من العالم.
ويعتقد الباحثون أن هذه الظاهرة ناتجة عن الانتقاء الإيجابي، وهي سمة يُرجح أنها أصبحت شائعة لأنها ساعدت الناس على النجاة من المرض في المناطق التي شكلت فيها الملاريا مشكلة رئيسية لقرون.
وفقًا للنتائج المنشورة في مجلة Nature، فإن تكرار الانخفاض في CCND3 والتغيرات الناتجة في خلايا الدم الحمراء بسبب المتغير الجيني rs112233623-T يمكن أن يوفر استراتيجية علاجية محتملة لمكافحة الملاريا.

مواد مضادة للملاريا في الدم
يُسبب الملاريا طفيل البلازموديوم، الذي ينتقل إلى مجرى دم الإنسان عند تعرضه للدغة أنثى بعوضة الأنوفيلس المصابة.
ولعقود، شكلت الملاريا مشكلة صحية عالمية، إذ تحصد أرواحًا كثيرة كل عام. في عام 2024، قُدّر عدد حالات الملاريا بنحو 282 مليون حالة، مع 610 آلاف حالة وفاة.
وبالرغم من الجهود الحثيثة التي تبذلها منظمة الصحة العالمية وشبكة من منظمات الصحة العامة، فقد شهد ذلك العام وحده تسعة ملايين حالة إضافية مقارنة بالعام السابق.
إن البحث عن طرق فعالة للتعامل مع هذه المشكلة هو مسعى مستمر، وأحد المجالات المثيرة للاهتمام للاستكشاف هو السكان الذين يتمتعون بحماية طبيعية ضد الملاريا.
لطالما لاحظ العلماء هذه السمة بين السكان، وفضولهم لفهم سبب كون بعض الناس أكثر مقاومة للملاريا قادهم إلى اكتشاف أن بعض العوامل الوراثية، مثل متغيرات جين الهيموجلوبين ( فقر الدم المنجلي والثلاسيميا) ونقص إنزيم G6PD، مرتبطة بالحماية من المرض.
في حين أن دراسات الارتباط على مستوى الجينوم حددت متغيرات إضافية، بما في ذلك في جينات مثل CCND3، إلا أنه لم يكن معروفًا سوى القليل عن الآليات الكامنة وراء التأثير المضاد للملاريا.
متغير جيني قاتل للطفيليات
بدأ الباحثون في هذه الدراسة بفحص الحمض النووي لأكثر من 6000 شخص من سردينيا، حيث كان الملاريا مرضًا شائعًا تاريخيًا، بحثًا عن أنماط جينية مرتبطة بخصائص دموية محددة، مثل حجم وعدد خلايا الدم الحمراء.
وركزوا على متغير جيني يُسمى rs112233623-T، وهو متغير جيني شائع في الدم في المنطقة.
قاموا بجمع الدم من متطوعين من أربع مجموعات وراثية: الأفراد المتماثلين للجين rs112233623-T؛ الأفراد الذين لديهم الجين الطبيعي كخط أساس؛ الأفراد الذين يحملون جينًا ذا تأثير وراثي معاكس؛ والرجال الذين يعانون من نقص G6PD، وهي سمة وراثية معروفة مرتبطة بالحماية من الملاريا.
ثم قام الفريق بتعريض خلايا الدم الحمراء المأخوذة من المتبرعين لطفيليات الملاريا لمعرفة كيفية تفاعل العدوى في الخلايا ذات الخلفيات الجينية المختلفة، وأجروا مجموعة من الاختبارات، بما في ذلك تحليل التعبير الجيني، وتحليل دورة الخلية، والتعديل الجيني، لتحديد ما إذا كان المتغير rs112233623-T يقلل بشكل ملحوظ من نشاط جين CCND3.
أكدت النتائج أن المتغير rs112233623-T أدى إلى انخفاض مستويات CCND3 في خلايا الدم الحمراء النامية، مما أدى إلى عدد أقل من خلايا الدم الحمراء ولكن بحجم أكبر.
على مدى ستة أيام بعد إدخال الطفيلي إلى مزارع الدم المخبرية، استخدم الباحثون المجهر والتحليل الحاسوبي لتتبع بقاء الطفيلي وتكاثره، ووجدوا مستويات أعلى من أنواع الأكسجين التفاعلية (ROS) في العينات التي شهدت موت عدد أكبر من الطفيليات. وتتطابق هذه الملاحظة مع ما يُلاحظ لدى الأفراد المصابين بنقص إنزيم G6PD، وتشير إلى آلية مقاومة مشتركة للمرض تعتمد على أنواع الأكسجين التفاعلية.
رغم أن النتائج تُظهر بوضوح قدرة هذا المتغير الجيني على كبح الملاريا، إلا أن هذا التأثير الوقائي لم يُثبت إلا في التجارب المخبرية، مما يثير تساؤلات حول إمكانية تعميم هذه النتائج.
ومع ذلك، فقد أثبتت الدراسة أن الكشف عن الأسرار الجينية لمقاومة الملاريا قد يُوسع نطاق نهجنا في الوقاية من هذا المرض الفتاك وعلاجه.

