لماذا لا تسبب معظم الأطعمة الحساسية؟
في لحظات بسيطة كاحتساء القهوة أو تذوق الآيس كريم، قد لا يبدو أن جسمك يقوم بمعجزة بيولوجية، لكنه كذلك، فعندما تضع الكعكة في فمك، يستطيع جسمك تحملها وهضمها دون أي ضرر، في عملية تُسمى التحمل الفموي.
كيف يتخذ الجسم البشري هذا القرار بين التحمل والرفض؟
كشفت دراسةٌ أجراها علماء من جامعة ستانفورد، بمن فيهم المؤلف الأول والمشارك في إعداد الدراسة، الدكتور جيمي بلوم، الذي أجرى البحث في ستانفورد وانضم مؤخرًا إلى معهد سالك، والمؤلفة الرئيسية والمشاركة في إعداد الدراسة، الدكتورة إليزابيث ساتلي، الأستاذة المشاركة في ستانفورد، عن أجزاء جديدة من بروتينات الطعام تُخبر خلايا المناعة في الأمعاء متى يجب تحمّل أنواع معينة من الأطعمة.
وقد وجدوا ثلاثة من هذه الأجزاء البروتينية، تُسمى " المستضدات "، واحد من كلٍّ من فول الصويا والذرة والقمح.
تتفاعل هذه المستضدات مع خلايا مناعية متخصصة تُسمى الخلايا التائية التنظيمية لتوجيه قرار التحمّل أو الرفض.
تُعدّ هذه النتائج خطوةً هائلةً إلى الأمام في فهم تحمّل الطعام، وقد تُسهم في تطوير علاجات مناعية مستقبلية للأشخاص الذين يعانون من حساسية الطعام.
نُشرت الدراسة في مجلة Science Immunolog.
يقول بلوم، الذي أنجز البحث في جامعة ستانفورد قبل انضمامه إلى معهد سالك كأستاذ مساعد في مركز نوميس لعلم المناعة وعلم الأمراض الميكروبية: "بصفتي مهتمًا بالعلوم الأساسية، أرى قيمة كبيرة في فهم عملية المناعة الطبيعية جنبًا إلى جنب مع علم الأمراض، إن فهم كيفية تعامل الجهاز المناعي مع بروتين ما على أنه آمن في الظروف الطبيعية قد يؤدي إلى علاجات جديدة لتعزيز تحمل الجسم له لدى الأفراد المصابين بالحساسية".

كيف تعمل حساسية الطعام؟
نظراً لأن 6% من الأطفال الصغار و3% إلى 4% من البالغين يعانون من حساسية الطعام، فقد انكبّ العلماء على دراسة مسببات هذه الحساسية تجاه الأطعمة التي يُفترض أنها آمنة.
وقد كشفت جهودهم حتى الآن عن بروتينات محددة في أكثر مسببات الحساسية شيوعاً، كالفول السوداني والبيض، والتي تُسبب ردود فعل مناعية سلبية.
تتعرف الأجسام المضادة على هذه البروتينات، فتقوم بدورها بتنشيط نوعين من خلايا الجهاز المناعي الالتهابية سريعة الاستجابة، وهما الخلايا البدينة والخلايا القاعدية.
إذا كنا نعرف كيف وماذا يتفاعل معه الجهاز المناعي أثناء الحساسية، ألا ينبغي لنا أن نعرف كيف وماذا يتفاعل معه الجهاز المناعي أثناء التحمل المناعي؟
لقد توصل العلماء إلى فهمٍ مُعمّقٍ لكيفية حدوث ذلك، وهناك بالفعل فهمٌ راسخٌ لدور الخلايا التائية التنظيمية في عملية التحمل المناعي.
وقد كشفت الأبحاث السابقة عن الدور المضاد للالتهابات والمثبط للمناعة الذي تلعبه هذه الخلايا في التحمل المناعي، إلا أن البروتينات التي تُحفّز هذا التفاعل المناعي غير المصحوب باستجابة مناعية لا تزال مجهولة.
ما هي البروتينات التي يتحملها الجسم؟
بدأت الدراسة بوعاء من طعام الفئران. وبدلاً من البدء بشكل تدريجي، نوعاً تلو الآخر من الطعام، قام الباحثون بفحص الخلايا التائية التنظيمية من فئران تتناول نظاماً غذائياً طبيعياً.
بحثوا عن المواد التي ترتبط بها هذه الخلايا، ثم ربطوها عكسياً بأجزاء محددة من الطعام.
وجد الباحثون ثلاثة بروتينات - أو بالأحرى، أجزاءً صغيرة ومحددة منها تُسمى الحواتم - تتعرف عليها الخلايا التائية التنظيمية.
وُجدت هذه الحواتم في ثلاثة بروتينات غذائية مختلفة، أحدها من الذرة، والآخر من القمح، والثالث من فول الصويا.
الجدير بالذكر أن الحواتم الثلاثة جميعها من بروتينات البذور، مما يشير إلى أن هذه البروتينات النباتية الوفيرة تُتعرف عليها آليات تحمل الجهاز المناعي بشكل شائع.
علاوة على ذلك، كانت الخلايا التائية الأكثر وفرة هي تلك المتفاعلة مع مستضد الذرة، وهو أمر منطقي نظرًا لأن الذرة ليست من مسببات الحساسية الشائعة.
من ناحية أخرى، يُعد فول الصويا من مسببات الحساسية الرئيسية لدى البشر، لذا فإن تحديد مستضد فول الصويا يُعد أمرًا مثيرًا للاهتمام بشكل خاص، كما يشير بلوم.
بالإضافة إلى ذلك، يتفاعل مستقبل الثدييات الذي يتفاعل مع مستضد فول الصويا المحدد مع السمسم أيضًا، مما يساعد على تفسير التحمل المتبادل، أو عندما يدل التحمل تجاه نوع معين من الطعام على التحمل تجاه نوع آخر.
بعد تحديد المستضدات الجديدة، طرح الباحثون بعض الأسئلة الإضافية، مثل: أين تتواجد هذه الخلايا التائية التنظيمية؟ وكيف تعمل في بيئة ملتهبة مقارنةً بالبيئة الصحية؟ استخدموا الفئران ونماذج زراعة الخلايا للإجابة على هذه الأسئلة، ووجدوا أن الخلايا التائية التنظيمية تتواجد بشكل أساسي في الأمعاء، وأن أنشطتها تختلف باختلاف ما إذا كانت في بيئة ملتهبة أو صحية، حيث تعمل إما على تقليل الالتهاب أو الحفاظ على غيابه.
هل يمكننا يوما ما التخلص من حساسية الطعام؟
تُعدّ هذه المستضدات البذرية إضافةً جديدةً ومثيرةً لفهمنا لآلية التحمل الفموي. وقد سبق للعلماء أن اعتبروا الخلايا التائية التنظيمية مسارًا واعدًا للعلاج المناعي للأشخاص الذين يعانون من حساسية شديدة تجاه الطعام.
وقد يصبح من الممكن يومًا ما إنتاج خلايا تائية تنظيمية مُبرمجة مسبقًا لتحمل أنواع معينة من الأطعمة وكبح الاستجابات المناعية لمسببات الحساسية الشائعة.
يقول بلوم: "النظام الغذائي هو أكثر تفاعلاتنا حميمية مع بيئتنا. إن التعرف الصحيح على الأطعمة الآمنة يخلق بيئة مضادة للالتهابات تدعم امتصاص العناصر الغذائية وتمنع الحساسية، يساهم بحثنا في تعزيز الفهم العلمي لمسببات الحساسية الغذائية الرئيسية، ويرشدنا نحو تدخلات علاجية مستقبلية قد تُعيد توجيه حالات الحساسية وأمراض المناعة الذاتية".
في المستقبل القريب، يتطلع الباحثون بشغف إلى رؤية آلية عملهم لرسم خرائط البروتينات المتكيفة مع البشر.

