كيف يستطيع الدماغ تركيز الانتباه على صوت واحد في بيئة صاخبة؟
اكتشف علماء الأعصاب كيف يستطيع الدماغ التركيز على صوت واحد وسط ضجيج من أصوات عديدة، مما يسلط الضوء على ظاهرة عصبية قديمة تُعرف باسم "مشكلة حفلة الكوكتيل".
يصبح هذا التركيز الذهني ضروريًا عندما تكون في أي بيئة مزدحمة، مثل حفلة كوكتيل، حيث تدور العديد من المحادثات في وقت واحد.
بطريقة ما، يستطيع عقلك تتبع صوت الشخص الذي تتحدث إليه، على الرغم من كل الأصوات الأخرى التي تسمعها في الخلفية.
باستخدام نموذج حسابي للجهاز السمعي، وجد فريق معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن تضخيم نشاط وحدات المعالجة العصبية التي تستجيب لخصائص الصوت المستهدف، مثل درجة الصوت، يسمح بتعزيز هذا الصوت إلى مقدمة الانتباه.
وقال جوش ماكديرموت، أستاذ علوم الدماغ والإدراك في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، المؤلف الرئيسي للدراسة: "هذا النمط البسيط يكفي لإحداث ظهور الكثير من النمط الظاهري للانتباه السمعي البشري، وينتهي النموذج بإعادة إنتاج مجموعة واسعة جدًا من سلوكيات الانتباه البشري للصوت".
تتفق هذه النتائج مع الدراسات السابقة التي أظهرت أنه عندما يركز البشر أو الحيوانات على مدخل سمعي محدد، فإن الخلايا العصبية في القشرة السمعية التي تستجيب لخصائص المحفز المستهدف تُضخّم نشاطها.
هذه هي الدراسة الأولى التي تُظهر أن هذا التحفيز الإضافي كافٍ لتفسير كيفية حل الدماغ لمشكلة حفلة الكوكتيل.
إيان غريفيث، هو المؤلف الرئيسي للورقة البحثية. كما شارك في تأليفها ر. بريستون هيس، ونُشرت في مجلة "نيتشر هيومن بيهيفيير" .

نمذجة الانتباه
يدرس علماء الأعصاب ظاهرة الانتباه الانتقائي منذ عقود، وقد أظهرت العديد من الدراسات التي أجريت على البشر والحيوانات أنه عند التركيز على محفز معين مثل صوت شخص ما، فإن الخلايا العصبية التي تستجيب لخصائص ذلك الصوت - على سبيل المثال، النبرة العالية - تزيد من نشاطها.
عند حدوث هذا التضخيم، تزداد معدلات إطلاق النبضات العصبية ، كما لو كانت مضروبة في عدد أكبر من واحد.
وقد طُرحت فرضية مفادها أن هذه "المكاسب المضاعفة" تسمح للدماغ بتركيز انتباهه على محفزات معينة، أما الخلايا العصبية غير المهيأة للخاصية المستهدفة فتُظهر انخفاضًا مماثلًا في النشاط.
يقول غريفيث: "تتضخم استجابات الخلايا العصبية المُخصصة للسمات الموجودة في هدف الانتباه، هذه التأثيرات معروفة منذ زمن طويل، ولكن ما كان غير واضح هو ما إذا كان هذا التأثير كافياً لتفسير ما يحدث عندما تحاول التركيز على صوت أو الانتباه بشكل انتقائي إلى شيء واحد".
بقي هذا السؤال بلا إجابة لأن النماذج الحاسوبية للإدراك لم تتمكن من أداء مهام الانتباه، مثل تمييز صوت واحد من بين أصوات عديدة.
تستطيع هذه النماذج أداء المهام السمعية بسهولة عندما يكون هناك صوت مستهدف واضح لا لبس فيه، لكنها لم تتمكن من أداء هذه المهام عندما تتنافس محفزات أخرى على جذب انتباهها.
يقول ماكديرموت: "لم يمتلك أي من نماذجنا القدرة التي يمتلكها البشر، وهي القدرة على تلقي إشارة إلى جسم معين أو صوت معين، ثم بناء استجابتهم على ذلك الجسم أو ذلك الصوت، لقد كان هذا قيدًا حقيقيًا".
في هذه الدراسة، أراد فريق معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا معرفة ما إذا كان بإمكانهم تدريب النماذج لأداء تلك الأنواع من المهام من خلال تمكين النموذج من إنتاج تعزيزات النشاط العصبي مثل تلك التي تُرى في الدماغ البشري.
لتحقيق ذلك، بدأوا بشبكة عصبية استخدموها هم وباحثون آخرون لنمذجة السمع، ثم عدّلوا النموذج ليسمح لكل مرحلة من مراحله بتطبيق مكاسب مضاعفة، وبموجب هذه البنية، يمكن زيادة أو تقليل تنشيط وحدات المعالجة داخل النموذج تبعًا للخصائص المحددة التي تمثلها، مثل درجة الصوت.
لتدريب النموذج، قام الباحثون في كل تجربة بتزويده أولاً بـ"إشارة": مقطع صوتي للصوت الذي أرادوا من النموذج أن ينتبه إليه. ثم حددت تنشيطات الوحدة الناتجة عن الإشارة المكاسب المضاعفة التي تم تطبيقها عندما سمع النموذج محفزًا لاحقًا.
يقول غريفيث: "تخيل أن الإشارة هي مقتطف من صوت ذي نبرة منخفضة. عندئذٍ، ستُضرب الوحدات في النموذج التي تمثل النبرة المنخفضة بكسب كبير، بينما ستُخفَّف الوحدات التي تمثل النبرة العالية".
بعد ذلك، عُرضت على النموذج مقاطع صوتية تتضمن مزيجًا من الأصوات، بما في ذلك الصوت المستهدف، وطُلب منه تحديد الكلمة الثانية التي نطق بها هذا الصوت. ضُربت استجابات النموذج لهذا المزيج الصوتي بمعاملات التضخيم الناتجة عن محفز الإشارة السابق.
كان من المتوقع أن يؤدي ذلك إلى "تضخيم" الصوت المستهدف داخل النموذج، ولكن لم يكن واضحًا ما إذا كان هذا التأثير كافيًا لإنتاج سلوك انتباهي مشابه للسلوك البشري.
وجد الباحثون أنه في ظل ظروف متنوعة، كان أداء النموذج مشابهاً جداً لأداء البشر، وكان يميل إلى ارتكاب أخطاء مماثلة لتلك التي يرتكبها البشر.
على سبيل المثال، وكما هو الحال مع البشر، كان النموذج يرتكب أحياناً أخطاءً عند محاولة التركيز على أحد صوتين ذكوريين أو أحد صوتين أنثويين، وهما الصوتان اللذان غالباً ما يكون لهما طبقات صوتية متقاربة.
يقول غريفيث: "لقد أجرينا تجارب لقياس مدى قدرة الناس على اختيار الأصوات عبر مجموعة واسعة من الظروف، وقد أعاد النموذج إنتاج نمط السلوك بشكل جيد للغاية".
تأثيرات الموقع
أظهرت الأبحاث السابقة أن الموقع المكاني، بالإضافة إلى درجة الصوت، يُعد عاملاً أساسياً يُساعد الناس على التركيز على صوتٍ مُعين.
وقد وجد فريق معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن النموذج تعلّم أيضاً استخدام الموقع المكاني لاختيار الانتباه، حيث كان أداؤه أفضل عندما كان الصوت المستهدف في موقعٍ مُختلف عن الأصوات المُشتتة.
ثم استخدم الباحثون النموذج لاكتشاف خصائص جديدة للانتباه المكاني البشري، وباستخدام نموذجهم الحسابي، تمكن الباحثون من اختبار جميع التوليفات الممكنة لمواقع الهدف ومواقع المشتتات، وهي مهمة كانت ستستغرق وقتاً طويلاً للغاية مع البشر.
يقول ماكديرموت: "يمكنك استخدام النموذج كوسيلة لفحص أعداد كبيرة من الحالات للبحث عن أنماط مثيرة للاهتمام، وبعد ذلك بمجرد أن تجد شيئًا مثيرًا للاهتمام، يمكنك إجراء التجربة على البشر".
كشفت هذه التجارب أن النموذج كان أفضل بكثير في اختيار الصوت المستهدف بشكل صحيح عندما كان الصوت المستهدف والمشتت في مواقع مختلفة في المستوى الأفقي.
عندما تم فصل الأصوات في المستوى الرأسي، أصبحت هذه المهمة أكثر صعوبة. وعندما أجرى الباحثون تجربة مماثلة على متطوعين بشريين، لاحظوا النتيجة نفسها.
"كان ذلك مجرد مثال واحد تمكنا فيه من استخدام النموذج كمحرك للاكتشاف، وهو ما أعتقد أنه تطبيق مثير لهذا النوع من النماذج"، كما يقول ماكديرموت.
يسعى الباحثون أيضاً إلى تطوير نموذج مماثل لمحاكاة الاستماع عبر غرسة قوقعية، ويأملون أن تُسهم هذه الدراسات في تحسين الغرسات القوقعية، مما يُساعد الأشخاص الذين يستخدمونها على تركيز انتباههم بشكل أفضل في البيئات الصاخبة.
