كيف يمكن السيطرة على فيروس نقص المناعة البشرية دون الحاجة إلى أدوية؟
قد يتمكن الجسم من السيطرة على فيروس نقص المناعة البشرية تلقائيًا، إذ يُحتوى الفيروس ولا يستطيع التكاثر أو الانتشار، لكنه لا يُستأصل تمامًا.
هذا هو هدف البروفيسور أولي شميلتز سوغارد وفريق دولي من الباحثين، وهو تمكين المزيد من المرضى من السيطرة على الفيروس بشكل دائم دون الحاجة إلى تناول أدوية يومية.
تشير نتائجهم إلى أن هذا يتطلب عنصرين أساسيين يعملان معًا: الأجسام المضادة والخلايا التائية.
في دراسة نُشرت في مجلة "نيتشر إيميونولوجي"، تابع الباحثون مرضى توقفوا عن تناول أدويتهم اليومية لعلاج فيروس نقص المناعة البشرية بعد تلقيهم علاجًا تجريبيًا، وفي مجموعة صغيرة من المرضى، لم يعد الفيروس.
"يمكننا أن نرى أن فرعين من الجهاز المناعي يعملان معًا للسيطرة على الفيروس، أحدهما يستهدف جانبًا واحدًا من الفيروس، والآخر يستهدف جانبًا آخر، معًا، يكونان فعالين بما يكفي لمنع الفيروس من الانتشار"، كما يقول سوغارد، أستاذ الأمراض المعدية.

علاج مدى الحياة
يُعدّ العلاج الحديث لفيروس نقص المناعة البشرية فعالاً للغاية، ويُمكّن المصابين من عيش حياة طبيعية، بما في ذلك العمل وتكوين الأسر والوقاية من انتقال العدوى.
كما يُمكن للأمهات المصابات بالفيروس إنجاب أطفال غير مصابين به.
ومع ذلك، لا يُشفي العلاج من المرض، بل يُساعد على كبح نشاط الفيروس.
"طالما استمر المرضى في تلقي العلاج، يبقى المرض تحت السيطرة. لكن الفيروس لا يختفي، بل يختبئ داخل الخلايا، إذا توقف العلاج، يبدأ الفيروس بالتكاثر بسرعة، وفي غضون أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع فقط، يمكن الكشف عن مستويات عالية من الفيروس في الدم مرة أخرى"، كما يقول سوغارد.
ولهذا السبب أمضى فريق البحث السنوات الخمس عشرة الماضية في العمل على تطوير علاج يمكن أن ينقل العبء من الأدوية إلى الجهاز المناعي نفسه.
إنجاز مهم
في التجارب السريرية التي توقف فيها المرضى عن تناول الأدوية بعد العلاج التجريبي، لوحظ أمرٌ لافتٌ للنظر: في 10-20% من الحالات، لم يعد الفيروس.
لدى هؤلاء المرضى، تولى الجهاز المناعي دور الدواء وحافظ على السيطرة على فيروس نقص المناعة البشرية من تلقاء نفسه.
لقد حدد الباحثون الآن ما يميز هذه المجموعة عن باقي المجموعة التي تتراوح نسبتها بين 80 و90%. يكمن السر في التفاعل بين الأجسام المضادة والخلايا التائية - وهما بمثابة "الركنين" في الجهاز المناعي.
ففي هؤلاء المرضى، يهاجم هذان المكونان الفيروس من زوايا مختلفة، مما يمنعه من الإفلات من الاستجابة المناعية.
تابعت الدراسة ثلاثة مرضى لمدة تصل إلى سبع سنوات. عاش اثنان منهم دون أدوية لعلاج فيروس نقص المناعة البشرية طوال هذه الفترة، وظلا يتمتعان بصحة جيدة وفقًا لجميع المقاييس السريرية.
أما المريض الثالث، فقد عانى من عودة الفيروس بعد عامين ونصف من انقطاع العلاج. في هذه الحالة، كان الفيروس قد تحوّر ، مما مكّنه من الإفلات من الخلايا التائية والأجسام المضادة.
"بالنسبة للمريض، كان هذا بالطبع أمراً مؤسفاً للغاية. لكن من الناحية العلمية، تعلمنا الكثير. لقد حصلنا على أدلة غير مباشرة لما كنا نعتقد أنه مهم حقاً"، كما تقول كاتي فيشر، باحثة ما بعد الدكتوراه.
ويخطط فريق البحث حاليًا لإجراء دراسات جديدة تركز على تعزيز هذه الآليات المناعية. وسيختبرون علاجات موجودة من مجالات أمراض أخرى، مثل العلاج المناعي المستخدم في بعض أنواع السرطان، والذي قد يساعد في تحسين الاستجابة المناعية لدى الأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية.
يقول سوغارد: "لقد وجدنا شيئًا فعالًا لـ 10-20% من المرضى. الآن نحتاج إلى فهم ما يحدث بالضبط في أجهزتهم المناعية - واستخدام هذه المعرفة لتطوير علاج فعال للجميع".
لهذه النتائج آثار عالمية مهمة، فالعلاج قصير الأمد الذي يُغني نهائياً عن تناول الأدوية يوميا قد يُحدث نقلة نوعية في حياة ملايين الأشخاص في مناطق من العالم حيث لا يُعد العلاج مدى الحياة خيارا واقعيا.

