لماذا تستمر مخاطر الرئة على المدى الطويل بعد علاج السل؟
حتى بعد إتمام علاج السل، قد يظل بعض المرضى عرضة للإصابة بعدوى رئوية أخرى، وقد كشف علماء كيف يمكن للبنى المتكونة في الرئتين أثناء الإصابة بالسل، أن تهيئ الظروف التي تسمح بحدوث عدوى رئوية ثانوية.
نُشرت هذه الدراسة في مجلة "نيتشر كوميونيكيشنز"، وهي تتحدى الاعتقاد السائد بأن نجاح علاج السل يعني نهاية المخاطر الصحية طويلة الأمد.
وتقدم نتائجها رؤى جديدة حول سبب بقاء بعض الأفراد عرضة للإصابة بعدوى رئوية أخرى بعد الإصابة بالسل، مما يؤكد أهمية الحفاظ على صحة الرئة على المدى الطويل والرعاية اللاحقة المناسبة بعد العلاج.

فهم العلاقة بين السل والعدوى الثانوية
لا يزال مرض السل يشكل مصدر قلق للصحة العامة في سنغافورة، حيث سُجلت 1156 حالة جديدة في عام 2024 (وزارة الصحة، سنغافورة).
وقد أظهرت دراسات سابقة أن السل قد يؤدي إلى تغيرات دائمة في الرئتين، مما قد يزيد من قابلية الإصابة بعدوى لاحقة، بما في ذلك عدوى المتفطرات غير السلية.
تجاوزت حالات العدوى الناجمة عن البكتيريا غير السلية، مثل المتفطرة الخراجية، تشخيصات السل في سنغافورة والعديد من الدول الأخرى لعقود.
ومن المفارقات في هذا الاتجاه أن نسبة كبيرة من مرضى البكتيريا غير السلية لديهم تاريخ إصابة حالي أو حديث بالسل.
وقد أفادت دراسات سريرية في سنغافورة أن حوالي ثلث المرضى المصابين بعدوى البكتيريا غير السلية لديهم تاريخ إصابة سابق بالسل، مما يشير إلى أن الإصابة السابقة بالسل قد تزيد من احتمالية الإصابة بأمراض الرئة اللاحقة.
تقدم الدراسة تفسيرا بيولوجيا لهذه العلاقة، فقد وجد الباحثون أن حبيبات السل، التي يمكن الكشف عنها من خلال فحص الأشعة السينية، يمكن أن تعمل كبيئة واقية للبكتيريا الثانوية، مما يحميها من دفاعات الجهاز المناعي والعلاج بالمضادات الحيوية.
كيف تبقى البكتيريا حية؟
أظهرت الدراسة أن بكتيريا المتفطرة الخراجية تستعمر بسرعة الأورام الحبيبية الموجودة مسبقًا لمرض السل. وبمجرد دخولها هذه الأورام، تصبح البكتيريا محمية من الجهاز المناعي وأقل عرضة للمضادات الحيوية.
في المقابل، يتم احتواء البكتيريا الموجودة خارج الأورام الحبيبية والقضاء عليها بسرعة.
كشفت دراسات لاحقة كيف تتكيف بكتيريا المتفطرة الخراجية مع هذه البيئة القاسية من خلال التغذي على المواد النخرية الموجودة في مركز الأورام الحبيبية.
وبمجرد استقرارها، تمكنت العدوى الثانوية من النمو بسرعة أكبر من عدوى السل الأصلية.
تشير هذه النتائج إلى أن القضاء على عدوى السل وحده قد لا يكون كافياً دائماً إذا استمرت الأورام الحبيبية ولم تلتئم الرئة بشكل كامل.
قال الدكتور ستيفان أوهلرز، الباحث الرئيسي، إن النتائج تسلط الضوء على جانب غير معروف من جوانب التعافي من مرض السل.
وأضاف: "تُشير هذه النتائج إلى دورٍ لم يُقدّر حق قدره لأورام السل الحبيبية في زيادة قابلية الإصابة بعدوى الرئة الأخرى، يتطلب علاج السل بالفعل شهورًا من المضادات الحيوية، ومن المُحزن للغاية أن يُصاب المرضى بعدوى ثانوية قد تتطلب سنوات إضافية من العلاج، يُظهر عملنا في مختبر A*STAR IDL أن العلاج المُبكر والفعّال لأورام السل الحبيبية يُقلل من قدرة بكتيريا المتفطرة الخراجية على النمو، مما يُبرز أهمية الوقاية والتدخل المُبكر والرعاية المُتابعة المُناسبة".
وقالت الدكتورة كارولين تشونغ، المديرة السريرية للمركز الوطني لرعاية مرضى السل في مستشفى تان توك سينغ، إن الدراسة تؤكد أهمية النظر إلى ما هو أبعد من إتمام العلاج.
وأضافت: "لا يعني إكمال علاج السل بالضرورة عودة الرئتين إلى حالتهما الطبيعية، إذ يعاني العديد من المرضى من ندوب وتلف متبقٍ. وتؤكد هذه الدراسة على ضرورة المتابعة والرصد الدقيقين بعد علاج السل، لا سيما للمرضى الذين قد يظلون عرضة للإصابة بعدوى رئوية أخرى".
تؤكد الدراسة على ضرورة مواصلة البحث في صحة الرئة على المدى الطويل بعد الإصابة بالسل، حيث قد يمتد التعافي إلى ما بعد إتمام العلاج.
ومن خلال تعزيز فهم مخاطر ما بعد الإصابة بالسل والتعافي، قد تُسهم النتائج في توجيه البحوث المستقبلية والأساليب المتبعة لرصد صحة الرئة والنتائج الصحية طويلة الأجل في سنغافورة.

