طريقة مبتكرة لدراسة الأمراض المنقولة جنسيًّا
لا تؤثر الأمراض المنقولة جنسيا على صحة الفرد فحسب، بل تتسبب أيضا في خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات على مستوى العالم.
ولدراسة هذه الأمراض، طور فريق من الباحثين نموذجاً فريداً من نوعه، وهو عبارة عن عضو على شريحة مزود بوظائف مناعية، يحاكي بيئة عنق الرحم البشري بشكل واقعي، مما يسمح للعلماء بدراسة كيفية تفاعل الميكروبيوم والجهاز المناعي والأمراض المنقولة جنسيا - وهو أمر لم يكن ممكنا من قبل باستخدام مزارع الخلايا المبسطة أو النماذج الحيوانية.
نشر علماء من كلية الطب بجامعة ميريلاند (UMSOM) وكلية طب الأسنان (UMSOD) وجامعة ديلاوير وجامعة فيرجينيا البحث في مجلة Science Advances.

خسائر عالمية فادحة
تُشكل الكلاميديا والسيلان نسبة كبيرة من عبء الأمراض المنقولة جنسيًا، حيث تُقدر التكاليف الطبية المباشرة المُجمعة بنحو مليار دولار أمريكي سنويًا في الولايات المتحدة وحدها، وذلك بسبب ارتفاع معدل الإصابة بهما والمضاعفات المرتبطة بهما.
وعلى الصعيد العالمي، تُشير منظمة الصحة العالمية إلى تسجيل ما يقرب من مليون إصابة جديدة بالأمراض المنقولة جنسيًا يوميًا بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و49 عامًا، بما في ذلك 129 مليون حالة إصابة جديدة بالكلاميديا سنويًا.
وإلى جانب تأثيرهما الاقتصادي، يُمكن أن تُؤدي الكلاميديا والسيلان إلى مضاعفات خطيرة في صحة المرأة، بما في ذلك مرض التهاب الحوض، والعقم، ومضاعفات الحمل مثل الولادة المبكرة.
"سيحدث هذا النموذج الجديد ثورة في كيفية دراسة العلماء للأمراض المنقولة جنسياً، مما يؤدي إلى تحسين فهم هذه الحالات، فضلاً عن إمكانية التوصل إلى علاجات أفضل"، كما قال المؤلف الرئيسي المشارك جاك رافيل.
وأضاف أن "الجزء الآخر المهم في هذا البحث هو التعاون متعدد التخصصات فيه. فمن خلال دمج الهندسة وعلم الأحياء الدقيقة وعلم المناعة وعلم الميكروبيوم، تمكنا من بناء نموذج يعكس بشكل أدق بيولوجيا الإنسان وتعقيد البيئة الدقيقة لعنق الرحم".
يُحاكي نموذج العضو على رقاقة، المعروف علميًا باسم النظام الفيزيولوجي الدقيق، عنق الرحم البشري باستخدام خلايا ظهارية عنقية، وخلايا نسيجية داعمة، وخلايا مناعية، وتدفق السوائل، والميكروبات الموجودة عادةً في المهبل.
يتكون النموذج من غشاء مسامي مُغطى بطبقات من خلايا عنق الرحم البشري على أحد جانبيه وخلايا داعمة على الجانب الآخر.
تتدفق السوائل عبر كلا الجانبين، مما يُحاكي الظروف الفيزيولوجية.
عند إضافة الميكروبات ومسببات الأمراض، يُعيد النموذج إنتاج جوانب رئيسية مما يحدث في عنق الرحم البشري.
قال جيسون غليغورن، الذي قاد تطوير النموذج: "كان أحد الأهداف الرئيسية هو تطوير نظام نموذجي معقد عملي وسهل الاستخدام، مما يُمكّن الباحثين خارج مختبرات الهندسة الحيوية من تبنيه وتطبيقه للإجابة على أسئلة بيولوجية مهمة".
وأضاف: "كانت الحاجة إلى هذا النموذج بالغة الأهمية لدراسة الميكروبيوم المهبلي، الذي نعلم أنه يلعب دورًا مهمًا في قابلية الإصابة بالأمراض المنقولة جنسيًا".
دور الميكروبيوم في العدوى
بعد تطوير النموذج، قام فريق الباحثين باختباره باستخدام اثنين من الأمراض المنقولة جنسياً: الكلاميديا، التي تسببها الكلاميديا التراخومية؛ والسيلان، الذي تسببه النيسرية البنية.
"كان من أبرز النتائج المثيرة للاهتمام أنه كما هو الحال لدى النساء، فإن الميكروبات الواقية التي يهيمن عليها بكتيريا Lactobacillus crispatus حدّت من العدوى في النموذج، مما يسلط الضوء بشكل أكبر على الدور الحاسم للميكروبيوم المهبلي في خطر الإصابة بالأمراض المنقولة جنسيا، وعلى النقيض من ذلك، عندما أدخلنا ميكروبات غير مثالية، تفاقمت العدوى"، كما قال الدكتور رافيل.
يوفر هذا النموذج أداة جديدة فعّالة لتطوير علاجات أسرع وأكثر فعالية ومخصصة، ولاختبار علاجات جديدة، مثل البروبيوتيك أو العلاجات الحيوية الحية، بهدف حماية النساء من العدوى قبل حدوثها.
ولأول مرة، أصبح بإمكاننا محاكاة ما يحدث في جسم الإنسان بدلاً من الاعتماد فقط على أنظمة المختبرات أو النماذج الحيوانية غير الكافية.

