طرق مبتكرة للكشف عن الالتهاب قبل ظهور الأعراض
يعتمد الطب الحديث إلى حد كبير على التفاعل، إذ لا يعالج المرض إلا بعد ظهور أعراضه، لكن دراسة جديدة تشير إلى مستقبل أكثر استباقية تُكتشف فيه العلامات الصامتة للعدوى حتى قبل أن نشعر بالمرض.
في سابقة عالمية، أدت هذه الدراسة إلى تطوير منصة ذكاء اصطناعي يمكنها التنبؤ بدقة بالالتهاب الجهازي الحاد، استجابة مناعية مبكرة لعدوى الجهاز التنفسي الفيروسية (VRTIs)، من خلال تحليل البيانات البيومترية من حلقة ذكية أو ساعة ذكية أو قميص ذكي.
من خلال رصد الإشارات المناعية قبل ظهور الأعراض، يفتح النظام الباب أمام التدخل المبكر، مما قد ينقذ الأرواح ويقلل تكاليف الرعاية الصحية من خلال منع المضاعفات ودخول المستشفى.
نُشر هذا العمل متعدد التخصصات في مجلة لانسيت للصحة الرقمية.
قال الدكتور دينيس جينسن، المؤلف الرئيسي للدراسة: "بحلول الوقت الذي يتم فيه اكتشاف العدوى بناءً على الأعراض السريرية أو اختبار تفاعل البوليميراز المتسلسل، يكون الأمر قد بدأ بالفعل بشكل جيد".
وأضاف: "من خلال تمكين الإنذار المبكر السريع والشخصي والموضوعي للأحداث الالتهابية الجهازية الناجمة عن التهابات الجهاز التنفسي الفيروسية، تمنح أداة التنبؤ الخاصة بنا المرضى ومقدمي الرعاية الصحية فرصة التدخل المبكر قبل وقوع الأحداث الصحية الحرجة".

نهج استباقي للكشف عن العدوى
الالتهاب الجهازي الحاد هو رد فعل التهابي سريع وشديد يحدث في جميع أنحاء الجسم استجابةً لعدوى أو إصابة.
ورغم أنه غالبًا ما يزول من تلقاء نفسه، إلا أن آلية الدفاع الطبيعية هذه قد تؤدي أحيانًا إلى مضاعفات خطيرة، مثل تلف الأعضاء أو فشلها، وحتى الوفاة.
ينطبق هذا بشكل خاص على الفئات الأكثر عرضة للخطر، مثل المصابين بمرض الانسداد الرئوي المزمن (COPD).
لمحاكاة العدوى في العالم الحقيقي، قام الفريق بإعطاء لقاح الإنفلونزا الحي المضعف لـ 55 بالغًا سليمًا تتراوح أعمارهم بين 18 و59 عامًا وتم متابعتهم من سبعة أيام قبل التطعيم إلى خمسة أيام بعد التطعيم.
خلال فترة الدراسة، ارتدى المشاركون 3 أجهزة قابلة للارتداء متوفرة تجارياً في وقت واحد - خاتم وساعة وقميص - مما يسمح بمراقبة مستمرة للعديد من التدابير الفسيولوجية والنشاط، بما في ذلك معدل ضربات القلب، وتغير معدل ضربات القلب، ودرجة حرارة الجسم، ومعدل التنفس، وضغط الدم ، والنشاط البدني، وجودة النوم.
وقام الباحثون أيضًا بقياس المؤشرات الحيوية الالتهابية الجهازية من خلال اختبارات الدم المتكررة، وأجروا اختبار تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR) لمسببات الأمراض التنفسية واستخدموا تطبيقًا للهواتف الذكية لجمع الأعراض المبلغ عنها ذاتيًا.
في المجمل، جُمعت أكثر من ملياري نقطة بيانات لتدريب خوارزميات التعلم الآلي، ثم استُخدمت هذه الخوارزميات لبناء نماذج ذكاء اصطناعي مختلفة: استخدمت 9 منها تغيرات فسيولوجية دقيقة للتنبؤ بارتفاع الالتهابات الجهازية، بينما اعتمدت واحدة فقط على الأعراض المُبلغ عنها.
تم اختيار النموذج الذي يستخدم أقل عدد من الميزات لمزيد من التطوير لأنه اعتُبر أكثر عملية للمراقبة اليومية.
ظل النموذج فعالاً، بحساسية تقارب 90%، ما يعني أنه توقع بدقة ما يقرب من 90% من الحالات الإيجابية الفعلية.
يقول الدكتور أمير حديد، المؤلف الرئيسي للدراسة: "أشارت دراسات سابقة إلى وجود صلة بين الإشارات الفسيولوجية المُقاسة بأجهزة استشعار قابلة للارتداء والنشاط المناعي الدقيق".
وأضاف: "تُمثل دراستنا خطوةً مهمةً إلى الأمام باستخدام الذكاء الاصطناعي لترجمة هذه الإشارات غير المرئية إلى نظام إنذار مبكر دقيق وفي الوقت الفعلي للالتهاب الحاد".
تفوقت جميع النماذج القائمة على الأجهزة القابلة للارتداء على النموذج القائم على الأعراض.
ويفسر مؤلفو الدراسة ذلك بالإشارة إلى أن بعض المشاركين المصابين بالتهاب جهازي لم تظهر عليهم أعراض ملحوظة مرتبطة بالتهاب العصب البصري (VRTI) (نتائج سلبية خاطئة)، بينما أبلغ بعض المشاركين غير المصابين بالتهاب جهازي عن أعراض (نتائج إيجابية خاطئة) - وهي ظاهرة تُعرف باسم تأثير النوسيبو.
ومن اللافت للنظر أن الخوارزميات نجحت أيضًا في اكتشاف الالتهاب الجهازي لدى أربعة مشاركين أصيبوا بفيروس كورونا المستجد (SARS-CoV-2) خلال الدراسة.
في كل حالة، رصدت الخوارزميات الاستجابة المناعية قبل ظهور الأعراض أو تأكيد اختبار تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR) للعدوى.
وكتب الباحثون: "في دراسات التحقق السريرية المستقبلية، يهدف نظامنا إلى اكتشاف الالتهاب الجهازي الناجم عن فيروسات شائعة أخرى، مثل الفيروس الأنفي، والفيروس المخلوي التنفسي (RSV) أو SARS-CoV-2، باستخدام الأجهزة القابلة للارتداء فقط - لا اختبارات دم، ولا أجهزة متخصصة، ولا حاجة لزيارة الرعاية الصحية".

