قد يكون المهاد مسؤولا عن توقيت نمو الدماغ ومرونته| دراسة
من المعروف أن الدماغ يتطور تدريجيا طوال عمر الإنسان، متبعا نمطا هرميا، ففي البداية، يتكيف لدعم الوظائف الأساسية، كالحركة والإدراك الحسي، ثم ينتقل إلى قدرات بشرية أكثر تقدما، كصنع القرار.
أجرى باحثون في جامعة بنسلفانيا ومعاهد أخرى، بقيادة الباحث الرئيسي الدكتور ثيودور ساترثويت، دراسة مؤخرًا تهدف إلى فهم أفضل لكيفية مساهمة المهاد، وهو بنية عميقة داخل الدماغ معروفة بمشاركتها في معالجة وتوجيه المعلومات الحسية، في تطور الدماغ بمرور الوقت.

دور المهاد
وتشير النتائج التي نشرت في مجلة Nature Neuroscience إلى أن المهاد هو أكثر من مجرد محطة نقل للإشارات الحسية والحركية، ويلعب أيضًا دورًا في تنظيم النمط الهرمي والجدول الزمني لتطور الدماغ.
قالت الدكتورة فاليري جيه سيدنور، المؤلفة الأولى للدراسة، لموقع ميديكال إكسبرس: "كان فريق البحث لدينا يدرس كيف تظهر مناطق مختلفة من القشرة المخية البشرية (أي الطبقة الخارجية من الدماغ) نوافذ زمنية مختلفة من اللدونة العصبية أثناء الطفولة والمراهقة".
وأضافت: "لقد أظهرنا أن انخفاض المرونة يتقدم عبر مناطق القشرة المخية وفقًا لتسلسل تطوري هرمي، من الحسية الحركية إلى الارتباط، يؤدي هذا التسلسل إلى انخفاض مبكر في المرونة في مناطق الدماغ الحسية الحركية التي تدعم الرؤية والسمع والحركة خلال الطفولة، ولكنه يسمح للمرونة بالامتداد إلى مرحلة المراهقة في مناطق الارتباط التي تدعم المعالجة المعرفية والاجتماعية والعاطفية المعقدة".
بعد الكشف عن التسلسل الذي يُميز نمو الدماغ، شرعت سيدنور وزملاؤها في تحديد العمليات التي يُنظم بها الدماغ التغيرات في توقيت نمو مناطق القشرة المخية المختلفة، ولتحقيق ذلك، اعتمدوا على دراسات سابقة في علم الأعصاب ركزت على حيوانات مختلفة.
كشفت الدراسات التي أُجريت على القوارض أن المهاد، وهو منطقة دماغية تحت قشرية، يمكنه تعزيز اللدونة في المناطق القشرية أثناء النمو والحد منها، وذلك من خلال التواصل مع القشرة عبر الوصلات المحورية الهيكلية، وفقًا لسيدنور.
ومع ذلك، لم يُختبر الدور المحتمل للمهاد في تنظيم التعبير عن اللدونة العصبية في الدماغ البشري.
مستوحين من نتائج هذه الدراسات السابقة التي ركزت على القوارض، حاول الباحثون اكتشاف الآليات العصبية التي تنظم قدرة الدماغ على التكيف خلال مرحلة الشباب. ودرسوا تحديدًا الروابط الهيكلية بين المهاد ومناطق القشرة الدماغية، لتحديد ما إذا كانت مرتبطة بتوقيت التكيفات الملحوظة في أدمغة الأطفال والمراهقين.
لإجراء تجاربهم، استخدموا تقنية تصوير عصبي آمنة وغير جراحية تُعرف باسم التصوير بالرنين المغناطيسي الانتشاري (MRI).
تُقيس هذه الطريقة حركة جزيئات الماء في أنسجة المخ، مما يُمكّن علماء الأعصاب من رسم خرائط للمسارات الليفية التي تربط مناطق المخ المختلفة.
"يعتبر التصوير بالرنين المغناطيسي الانتشاري طريقة رائعة تسمح لنا بتحديد الاتصالات العصبية واسعة النطاق في الدماغ استنادًا إلى كيفية تحرك جزيئات الماء (أو انتشارها) على طولها"، كما أوضح ساترثويت.
وأضاف: "لقد قمنا بتحليل بيانات التصوير بالرنين المغناطيسي الانتشاري التي تم جمعها من الأطفال والمراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و 23 عامًا كجزء من ثلاث عينات كبيرة: 1) عينة تمثل المجتمع من الشباب من فيلادلفيا وعينة نموذجية من الشباب من مينيسوتا وماساتشوستس وكاليفورنيا وميسوري وعينة من الشباب الذين يعانون من أعراض صحية عقلية كبيرة من مدينة نيويورك.
لإجراء تحليلاتهم، اضطر الباحثون إلى إنشاء أطلس جديد للاتصالات الهيكلية المهادية القشرية البشرية، أي خريطة تشريحية للاتصالات بين المهاد وأجزاء من القشرة.
أتاحت لهم هذه الخريطة تحديد أكثر من 200 اتصال بين المهاد ومناطق قشرية مختلفة في دماغ كل مشارك في الدراسة.
قالت سيدنور: "لقد تم تصور المهاد منذ فترة طويلة على أنه "محطة نقل" بسيطة في الدماغ تعمل على نقل المعلومات من الأعضاء الطرفية التي تعالج بيئاتنا إلى القشرة المخية".
وأضافت: "تشير بياناتنا إلى أن المهاد يلعب على الأرجح دورًا أكثر نشاطًا في تحديد متى تكون المناطق القشرية مرنة، وبالتالي متى تُظهر القدرة على التكيف والضعف تجاه بيئاتنا".
من المثير للاهتمام أن سيدنور وزملائها لاحظوا أن نضج الروابط الهيكلية بين المهاد البشري والقشرة الدماغية يتبع تسلسلًا حسيًا حركيًا للارتباط. يشير هذا إلى أن نمو المناطق القشرية لدى الأطفال والمراهقين يتماشى مع التغيرات في قوة الروابط مع المهاد. وبالتالي، قد يكون المهاد بمثابة "مؤقت" لنضج القشرة الدماغية.
وتابعت: "هذا مهم بالنظر إلى أن سرعة نضوج القشرة المخية مرتبطة بالنتائج المعرفية والنفسية".
علاوة على ذلك، اكتشف الباحثون أن المناطق القشرية ذات الوصلات المهادية التي تتطور لفترة أطول تُظهر علامات هيكلية ووظيفية وكيميائية عصبية تدل على مرونة مطولة خلال فترة المراهقة، وهذا يشير إلى أن تقوية الوصلات الهيكلية المهادية القشرية خلال النمو تعزز مرونة مطولة في مناطق الدماغ المرتبطة بالمعالجة المعرفية والاجتماعية والعاطفية، وهو يثير أيضًا تساؤلًا حول كيفية قدرتنا على الاستفادة من الاتصال بين المهاد والقشرة الدماغية لتعزيز مرونة القشرة المخية أثناء التطور، أو حتى مرحلة البلوغ.
وأخيرًا، لاحظ الباحثون أن الروابط البنيوية المهادية القشرية مع مناطق الدماغ المرتبطة بالارتباط، والتي تتطور على مدى فترات زمنية أطول، تتأثر بشكل أكبر بالعوامل البيئية، وهذا يشير إلى أن التطور المستمر ومرونة الدماغ مرتبطان بحساسية بيئية مطولة.
في المستقبل، قد تُرشد نتائج الفريق تطوير تدخلات مُصممة لدعم النمو الصحي للأطفال والمراهقين من خلال إثراء بيئاتهم المحيطة.
وقد تدعم هذه التدخلات تقوية الروابط بين المهاد والمناطق القشرية، مما يُعزز اكتساب القدرات العقلية المتقدمة.

