إصابة الأم بالعدوى أثناء الحمل تزيد خطر السلوك الانتحاري لدى أطفالها| دراسة
أظهرت الأبحاث الطبية السابقة باستمرار أن أحداثًا محددة تحدث في أثناء فترة الحمل قد تؤثر على صحة النسل بعد الولادة.
وبينما لوحظ هذا على نطاق واسع في سياق الصحة البدنية، على سبيل المثال، فيما يتعلق بآثار تناول الكحول أو الإفراط في تناول الكافيين أو التدخين أثناء الحمل، فإن العلاقة بين صحة الأم أثناء الحمل والصحة النفسية لأطفالها لا تزال غير مدروسة بشكل كافٍ.
أجرى باحثون من جامعة ماكجيل، والمعهد الدنماركي لأبحاث الوقاية من الانتحار، وجامعة كوبنهاجن، وكلية جونز هوبكنز بلومبرج للصحة العامة، دراسة واسعة النطاق مؤخرًا، بحثوا فيها العلاقة المحتملة بين إصابة الأم بالعدوى أثناء الحمل وخطر ظهور سلوك انتحاري لدى الأبناء لاحقًا في حياتهم.
وتشير نتائجهم، المنشورة في مجلة الطب النفسي الجزيئي، إلى أن الأطفال الذين تعرضوا للعدوى وهم لا يزالون في رحم أمهاتهم أكثر عرضة لمحاولة الانتحار.
قال الدكتور ماسيميليانو أوري، المؤلف الرئيسي للدراسة، لموقع "ميديكال إكسبرس": "ركزت معظم الدراسات حول خطر الانتحار على ما يحدث قبيل الأزمة مباشرة، مما يساعد الأطباء على تحديد من قد يكونون معرضين لخطر فوري، ومع ذلك، تُظهر الأبحاث بشكل متزايد أن قابلية الانتحار قد تبدأ في وقت مبكر من الحياة، أردنا أن ننظر إلى أبعد من ذلك ونفهم كيف يمكن لعوامل الحياة المبكرة أن تُشكل خطر الانتحار على المدى الطويل".

العدوى لدى الأمهات وخطر الانتحار
تُحفّز العدوى الناتجة عن التعرّض لفيروسات أو بكتيريا مُحدّدة استجابة مناعية تُعرف بالالتهاب.
وقد قرّر الدكتور أوري وزملاؤه التركيز على عدوى الأم أثناء الحمل، لأنّ الالتهاب في المراحل الحاسمة من نمو الدماغ قد رُبط سابقاً بزيادة خطر الإصابة ببعض الاضطرابات النفسية.
في إطار دراستهم الحديثة، قام الباحثون بتحليل كمية كبيرة من البيانات المستخرجة من سجلات الصحة الوطنية في الدنمارك.
تحتوي هذه السجلات على معلومات وسجلات صحية مفصلة لجميع الأفراد المقيمين في الدنمارك، بما في ذلك زياراتهم للمستشفيات، والرعاية الطارئة التي تلقوها، وأي تشخيصات طبية أو نفسية.
وأوضح الدكتور أوري قائلاً: "تتضمن هذه السجلات أيضاً بيانات عن التعليم والتوظيف والظروف المعيشية، والأهم من ذلك، أنها تُمكّن الباحثين من ربط الآباء بالأطفال، مما يُتيح تحديد الأمهات اللواتي أُصبن بعدوى أثناء الحمل، ثم متابعة أطفالهن بمرور الوقت، وقد مكّننا هذا من دراسة ما إذا كانت محاولات الانتحار أكثر شيوعاً بين الأشخاص الذين أُصيبت أمهاتهم بعدوى أثناء الحمل، مقارنةً بمن لم تُصب أمهاتهم، مع مراعاة العوامل الاجتماعية والاقتصادية".
تتميز مجموعة البيانات التي حللها الدكتور أوري وزملاؤه بحجمها الكبير بشكل ملحوظ، إذ تحتوي على معلومات تخص أكثر من مليوني شخص.
وقد مكّن هذا الباحثين في نهاية المطاف من البحث بدقة عن روابط بين العدوى التي تصيب الأمهات والسلوكيات الانتحارية، وهو أمر يصعب اكتشافه ضمن مجموعات بيانات أصغر.
قام الباحثون بتحليل السجلات الصحية لجميع الأفراد الذين تزيد أعمارهم عن 10 سنوات في الفترة الممتدة من عام 1987 إلى عام 2021.
وقد بحثوا على وجه التحديد عن حالات العدوى لدى الأمهات والآباء، قبل وأثناء وبعد فترة انتظارهم لطفل، بالإضافة إلى زيارات أطفالهم للمستشفى بعد سن 10 سنوات.
"كانت دراستنا واحدة من أكبر الدراسات التي أجريت حتى الآن والتي تبحث في العلاقة بين العدوى التي تصيب الأم أثناء الحمل والسلوك الانتحاري، وواحدة من الدراسات القليلة التي نظرت عن كثب في أنواع مختلفة من العدوى والاختلافات بين الذكور والإناث"، كما قال الدكتور أوري.
وأضاف: "لقد استخدمنا أيضًا نهجًا قويًا بشكل خاص من خلال مقارنة العدوى لدى الأمهات بالعدوى لدى الآباء التي حدثت خلال نفس الفترة. ولأن الآباء لا يشاركون بيولوجيًا في الحمل، فإن عدوىهم لا يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على نمو الجنين".
استنادًا إلى تحليلاتهم، قدّر الدكتور أوري وزملاؤه أن تعرض الأم لعدوى بكتيرية أو فيروسية أثناء الحمل يزيد من خطر محاولة طفلها الانتحار بنسبة 46%.
ويبدو أن هذه النسبة أعلى في حال حدوث العدوى خلال الثلث الثاني أو الثالث من الحمل. ومن المثير للدهشة أن خطر محاولة الطفل الانتحار كان أعلى أيضًا عندما أصيبت الأم بعدوى قبل الحمل أو بعده مقارنةً بمن لم تُصب بأي عدوى على الإطلاق، مما قد يشير إما إلى آثار طويلة الأمد للعدوى أو إلى وجود عوامل أخرى مؤثرة.
وأضاف الدكتور أوري: "من المهم معرفة أن هذه الدراسة تُظهر ارتباطًا إحصائيًا، وهذا يعني أن الإصابة بالعدوى أثناء الحمل لا تؤدي عادةً أو بالضرورة إلى سلوك انتحاري لاحقًا، في الواقع، يكبر معظم الأطفال الذين أصيبت أمهاتهم بالعدوى أثناء الحمل دون أن يُصابوا بمشاكل صحية نفسية خطيرة أو خطر الانتحار".
ومن المثير للاهتمام أن الباحثين وجدوا أنه في حين ارتبطت العدوى لدى الأم بزيادة خطر محاولات الانتحار لدى الأبناء، لم يكن الأمر كذلك بالنسبة للعدوى لدى الأب.
يشير هذا إلى أن العلاقة التي لاحظوها من غير المرجح أن تكون ناتجة عن عوامل اجتماعية أو أسرية، كما هو الحال بالنسبة للعدوى لدى الأب، بل إنها متجذرة في نمو دماغ الجنين.
تشير نتائج هذه الدراسة الحديثة إلى أن صحة المرأة قبل الحمل وأثناءه وبعده مباشرةً قد تكون بالغة الأهمية للوقاية من المشكلات النفسية والحد من معدلات الانتحار.
وإذا ما تم تأكيد هذه النتائج من خلال دراسات لاحقة، فقد تُسهم في تطوير استراتيجيات رعاية وقائية جديدة أو تدخلات مُوجَّهة للمراهقين أو الشباب الأكثر عرضةً لخطر الانتحار.
وقال الدكتور أوري: "ستواصل الأبحاث المستقبلية استكشاف عوامل أخرى في المراحل المبكرة من الحياة قد تشكل قابلية طويلة الأمد للانتحار، بما في ذلك المضاعفات أثناء الحمل والولادة، ومن خلال توسيع هذا المنظور، نأمل أن نفهم بشكل أفضل كيف تتراكم المخاطر على مدار الحياة".

