رؤى جديدة حول مناعة الإنفلونزا.. ما التفاصيل؟
أظهرت دراسة جديدة أن التطعيم ضد الإنفلونزا الموسمية لا يقتصر على الحماية من الفيروسات المنتشرة في ذلك العام فحسب، بل يُهيئ الجهاز المناعي أيضًا للاستجابة لسلالات مستقبلية، بما في ذلك بعض السلالات التي تظهر بعد عقود.
وقد حلل الباحثون عينات دم جُمعت عام 1994 من بالغين تلقوا التطعيم ضد الإنفلونزا مؤخرًا، وذلك لتتبع مدى فعالية استجاباتهم المناعية ضد سلالات الإنفلونزا التي انتشرت على مدى الثلاثين عامًا التالية، بما في ذلك الإنفلونزا A (H1N1، H3N2) والإنفلونزا B.
استجابات مناعية واسعة
أظهرت دراسة نُشرت في مجلة "ساينس ترانسليشنال ميديسين" أن اللقاح القديم يُحفز استجابات مناعية واسعة النطاق ضد سلالات الإنفلونزا المستقبلية، فقد تمكنت الأجسام المضادة وخلايا الذاكرة البائية - وهي خلايا مناعية "تتذكر" الإصابات السابقة - من التعرف على فيروسات الإنفلونزا المستقبلية، بما في ذلك H1N1 والإنفلونزا B.
ومع ذلك، لم يكن الجهاز المناعي قادرًا على التعرف على متحورات H3N2 سريعة التطور ، مما يُبرز سبب صعوبة الحماية من بعض السلالات وأهمية التطعيم السنوي.
وقالت الدكتورة إيزابيل فو، المؤلفة الأولى المشاركة في الورقة البحثية، إن الدراسة تقدم لمحة فريدة عن كيفية تشكيل اللقاحات للمناعة لعقود قادمة.
وأضافت: "وجدنا أن اللقاح درّب الجهاز المناعي على رصد أجزاء من الفيروس لا تتغير كثيرًا، احتفظت خلايا الذاكرة البائية بهذه المعلومات بدقة، لتكون جاهزة لمواجهة الفيروس في المستقبل".
وتابعت: "يساعد هذا في تفسير كيف يمكن للتطعيم اليوم أن يحمي الجسم لسنوات عديدة، ما لم يتغير الفيروس بشكل كبير، كما هو الحال مع فيروس H3N2، الذي تطور بما يكفي للتسلل عبر الجهاز المناعي".

اختلافات مرتبطة بالعمر
كما كشفت الدراسة عن اختلافات في الاستجابات المناعية بين مختلف الفئات العمرية.
وقالت الأستاذة المشاركة في جامعة ملبورن، أوان نغوين، إنه في حين أن كلًا من البالغين الأصغر سنًا وكبار السن أظهروا استجابات قوية ناتجة عن اللقاح، فإن التعرض المسبق يؤثر على مدى قدرة أجهزتهم المناعية على الاستجابة.
وأضافت: "وجدنا أنه بسبب التعرض المستمر للإنفلونزا طوال العمر ، فإن كبار السن الذين تتراوح أعمارهم بين 60 و75 عامًا لديهم استجابات أجسام مضادة أكثر نضجًا قادرة على التعرف على نطاق أوسع من السلالات، بما في ذلك جائحة H1N1 لعام 2009".
الآثار المترتبة على لقاحات الإنفلونزا المستقبلية
وقالت البروفيسورة كاثرين كيدزييرسكا، رئيسة مختبر الخلايا التائية البشرية في معهد دوهرتي بجامعة ملبورن، إن هذه الدراسة هي الأولى التي تنظر فعلياً إلى الماضي لفهم المناعة المستقبلية.
وأضافت: "تقدم دراستنا رؤى نادرة حول مدى المناعة المكتسبة باللقاح على مدى 30 عامًا من تطور الإنفلونزا".
وتابعت: "لا تقتصر فوائد لقاحات الإنفلونزا على الحماية من الفيروسات المنتشرة وقت تلقي اللقاح فحسب، بل يمكنها أيضًا تهيئة جهاز المناعة للتعرف على بعض الفيروسات التي تظهر بعد عقود ومكافحتها".
لكن لا تزال هناك ثغرات فيما يتعلق بالسلالات سريعة التطور مثل H3N2، ولهذا السبب يُعدّ التطعيم سنوياً أمراً بالغ الأهمية.
كما يُؤكد ذلك على الحاجة إلى جيل جديد من اللقاحات القادرة على التصدي للسلالات سريعة التحوّر وتعزيز الاستعداد للأوبئة.
تؤكد هذه النتائج على أهمية التطعيم السنوي ضد الإنفلونزا، إذ تُظهر أنه يوفر حماية فورية ويساعد الجهاز المناعي على الاستعداد لمواجهة الفيروسات المستقبلية.
ومن خلال تحديد السلالات التي يغطيها اللقاح بشكل جيد وتلك التي لا يغطيها، سيسهم هذا البحث في توجيه تصميم لقاحات محسّنة لحماية المجتمعات بشكل أفضل من تفشي الأمراض الموسمية والأوبئة المستقبلية.

