يوقف تندبها.. علاج جديد لـ التليف الرئوي
التليف الرئوي مرضٌ مميت، حيث تصبح الرئتان أكثر سمكًا وتندبًا، مما يفقدهما تدريجيًا قدرتهما على توصيل الأكسجين إلى الجسم.
والآن، حدد علماء جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو مفتاحًا خلويًا رئيسيًا يُحرك هذه العملية، ووجدوا طريقةً لإيقافه لدى الفئران.

علاج جديد للتليف الرئوي
يعمل العلاج الجديد، الذي نُشر في مجلة الأبحاث السريرية، على منع خلايا الرئة السليمة من التحول إلى نوع خلايا أكثر ضررًا.
في الفئران المصابة بالتليف الرئوي، قلّل العلاج بشكل كبير من حجم الندبات في رئتيها.
قال الدكتور فيروز بابا، المؤلف الرئيسي المشارك في الدراسة الجديدة: " لطالما كان التليف الرئوي من أكثر أمراض الرئة تدميراً، مع خيارات علاجية محدودة للغاية".
وأضاف: "نحن متحمسون لاكتشاف هدف جزيئي جديد، وبدء العمل على تقريبه من التجارب السريرية".
كما تسلط النتائج الضوء على نطاق أوسع على كيفية قدرة الخلايا المعرضة للضغط على تغيير هويتها بطرق ضارة - وهي عملية لا تتعلق فقط بالتليف الرئوي ولكن أيضًا بحالات أخرى حيث تفقد الخلايا وظيفتها الطبيعية، بما في ذلك مرض السكري، والتنكس العصبي، وأمراض الكبد المزمنة.
قال المؤلف المشارك الدكتور دين شيبرد، أستاذ بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو: "هذا العمل هو نتيجة لسنوات عديدة من البحث الأساسي حول أنواع الخلايا والمسارات الجزيئية التي تسير بشكل خاطئ في التليف الرئوي، وهو يسلط الضوء على أهمية العلوم الأساسية في قيادتنا إلى علاجات جديدة للأمراض التي كانت تبدو حتى الآن غير قابلة للعلاج".
خلايا الرئة خارج المسار
يصيب التليف الرئوي واحدًا من كل 5000 شخص تقريبًا، وغالبًا ما يصيب كبار السن.
قد يظهر المرض دون سابق إنذار أو بعد التعرض لبعض العوامل البيئية، أو العدوى، أو العلاج الكيميائي. مع متوسط بقاء على قيد الحياة لا يتجاوز خمس سنوات بعد التشخيص، يُعد التليف الرئوي قاتلًا مثل سرطان الرئة المتقدم، إلا أن خيارات علاجه أقل بكثير.
في السنوات الأخيرة، أظهر العلماء أن التليف الرئوي ناتج عن عملية إصلاح غير طبيعية في الرئتين.
في الحالة الطبيعية، تساعد خلايا الرئة، المعروفة باسم الخلايا السنخية من النوع 2 (AT2)، في الحفاظ على صحة الحويصلات الهوائية، ويمكنها التحول إلى أنواع أخرى من الخلايا لإصلاح التلف، لكن في التليف الرئوي، تتعطل العديد من خلايا AT2 في منتصف عملية التحول، مما يؤدي إلى تكوين خلايا "بينية" لا تعمل بشكل صحيح، بل تُطلق إشارات تُفاقم التندب.
في الدراسة الجديدة، وجد فريق جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو أن بروتينًا يُعرف باسم IRE1α مسؤولٌ مباشرةً عن دفع خلايا AT2 إلى هذا الوضع الخطير.
يستشعر IRE1α عادةً عدم تكوُّن البروتينات بشكل صحيح داخل الخلايا، وهي إحدى علامات تعرض الخلايا لضغط غير طبيعي.
وأظهرت الدراسة الجديدة أنه استجابة لهذه الإشارة، يقوم IRE1α بتشغيل عملية تسمى RIDD، والتي تقوم فيها بتمزيق بعض التعليمات الجينية - مثل تمزيق المخططات - حتى لا تتمكن الخلية من صنع البروتينات المقابلة.
أحد الجينات التي يستهدفها RIDD هو FGFR2، وهو مستقبل يخبر خلايا AT2 عادةً بالتمسك بهويتها.
أوضح فينسنت أويونج، المؤلف الأول للعمل الجديد: "عندما يقوم IRE1α بتقطيع تعليمات FGFR2، تفقد الخلية اتجاهاتها".
وأضاف: "تتوقف عن كونها الخلية التي كانت عليها، لكنها لا تعود الخلية التي يُفترض أن تكون عليها أيضًا، وهذه الحالة الانتقالية بحد ذاتها تُؤدي إلى التليف".
ويفترض الفريق أنه في خلايا أخرى في الجسم، قد تحدث الأمراض نتيجة تدمير تعليمات جينية رئيسية أخرى من خلال نفس عملية RIDD.
أمل جديد للمرضى
ومن أجل اختبار ما إذا كان منع IRE1α يمكن أن يساعد الرئتين المريضتين، لجأ الباحثون إلى نموذج فأر مصاب بالتليف الرئوي.
لقد عالجوا الحيوانات بـ PAIR2، وهو دواء مصمم لمنع نشاط RIDD الضار لـ IRE1α بشكل انتقائي مع ترك وظائف تخفيف التوتر الطبيعية سليمة.
PAIR2 هو مثبط انتقائي لإنزيم IRE1α .
يُعدّ PAIR2 نوعًا من الأدوية يُمكن ضبطه بدقة للتحكم في وظائف مُحددة فقط للبروتين.
يُمكّن هذا الفريق من إيقاف النشاط الضار لإنزيم IRE1α دون التأثير على دوره الحيوي في الخلايا.
قال أويونج: "كان من المهم ألا نوقف IRE1α تمامًا في جميع خلايا الجسم، لأننا لا نريد أن نوقف وظيفته الطبيعية والصحية. أردنا فقط عرقلة عملية RIDD".
وفي الفئران التي تعاني بالفعل من ندبات في الرئة، لم يعمل PAIR2 على إبطاء المزيد من الضرر فحسب، بل قام أيضًا بعكس بعض التليف الذي تشكل جزئيًا.
ساعد الدواء خلايا AT2 في الحفاظ على هويتها، وخفض عدد الخلايا "البينية"، وخفض بشكل كبير تراكم النسيج الندبي.
قال الفريق إن هذه النتائج تُعدّ خطوةً مُشجّعةً نحو إيجاد علاجات جديدة للمرضى من البشر.
ومع ذلك، لا يزال هناك حاجةٌ إلى مزيدٍ من العمل لتحديد سلامة وفعالية PAIR2 أو المركبات المشابهة له لدى البشر، وفعاليتها في العلاج.
وقال أويونج: "هذا النوع من الدراسات يُبرز أهمية الفهم الأساسي. ويمكن للأبحاث الأساسية أن تُطبّق عمليًا على المرضى".

