السرطان لدى الشباب.. لماذا يتم تشخيص المزيد من الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا؟
على مدى عقود، كان يُنظر إلى السرطان في الغالب على أنه مرض مرتبط بالشيخوخة، يتطور عبر سنوات من التلف الجيني، وعوامل نمط الحياة، بالإضافة إلى الإجهاد البدني.
مع ذلك، ونظرًا للاتجاه المقلق المتوقع بحلول عام 2026، فإن معدل الإصابة بالسرطان يتزايد بسرعة بين البالغين دون سن الثلاثين، بوتيرة أسرع من أي فئة عمرية أخرى؛ وهذا الافتراض السائد منذ زمن طويل يواجه بعض التحديات.
لا يُعزى هذا الارتفاع في عدد حالات السرطان التي تظهر في سن مبكرة إلى تحسين الفحص، بل يعتقد العلماء أنه ناتج عن تغير جوهري في طريقة تفاعل نمط الحياة المعاصر مع بيولوجيا الإنسان - في سن مبكرة، ولمدة أطول، وبآثار أكثر تعقيدًا على الجسم مما واجهته الأجيال السابقة.
تأثير اضطراب الميكروبيوم
من بين أكثر الميكروبات التي خضعت للدراسة المعمقة ميكروبيوم الأمعاء، وهو تريليونات البكتيريا التي تعيش في أمعائنا، والتي تُعد ضرورية للمناعة وتنظيم الالتهابات.
يُعدّ جيل الألفية وجيل زد أول جيل يتعرض على نطاق واسع للمضادات الحيوية، ومستويات عالية من الأطعمة فائقة المعالجة، والتعرض المبكر لتغيرات في البيئة الميكروبية.
وقد وجد العلماء زيادة في وجود بكتيريا الإشريكية القولونية المنتجة للكوليباكتين لدى مرضى سرطان القولون والمستقيم الأصغر سنًا، تُفرز هذه البكتيريا سمومًا تُدمر الحمض النووي في بطانة القولون مباشرةً، وتُعزز عملية تحول الخلايا السليمة إلى خلايا سرطانية.
كما أن الولادات القيصرية، وقلة الرضاعة الطبيعية، واستخدام المضادات الحيوية في سن مبكرة قد تُؤدي إلى انخفاض التنوع الميكروبي، مما يُضعف جهاز المناعة ويُضعف قدرته على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها في مراحلها المبكرة.

عبء السمنة عبر الأجيال
لطالما ارتبطت السمنة بالسرطان، لكن الشباب الحاليين يتميزون بطريقة تعرضهم لهذه الحالة، إذ يزداد اكتسابهم للدهون في سن مبكرة، مما يعني أن أجسامهم أكثر عرضة للعوامل المُسببة للسرطان.
الدهون الزائدة ليست خاملة أيضيًا، بل تفرز بنشاط هرمون الإستروجين وعوامل النمو الشبيهة بالأنسولين (IGF-1)، التي تعزز انقسام الخلايا وتثبط موتها الطبيعي، وهذا يوفر بيئةً مغذيةً لسرطانات الثدي والرحم والبنكرياس والقولون، قبل بلوغ منتصف العمر.
الملوثات النانوية والمواد الكيميائية الحديثة
يُعدّ جيل الشباب دون سن الثلاثين اليوم أول جيل يخضع للمراقبة البيولوجية من خلال قياس كميات محددة من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة والمواد الكيميائية الدائمة (PFAS) في الدم، الكثير منها مواد مُخلّة بالغدد الصماء، تُحاكي الهرمونات وتُعطّل التواصل الخلوي الطبيعي.
النوم والضوء واضطراب الساعة البيولوجية
نجح عصر الضوء الأزرق، دون أن يشعر، في تغيير عادات النوم، فقلة النوم، كعملية مزمنة وطويلة الأمد، والتعرض للشاشات ليلًا، يُثبّط إفراز الميلاتونين، وهو هرمون ضروري ليس فقط للنوم، بل أيضًا لإصلاح الحمض النووي وحماية الجسم من المؤكسدات.
في الحالات التي تتعطل فيها عملية الإصلاح هذه على المدى الطويل، قد تبقى الخلية المتضررة سليمة بدلاً من إصلاحها أو حتى تدميرها، مما يمنح الخلايا المتحولة فرصة للتكاثر بشكل خارج عن السيطرة.
التشخيص المبكر للسرطان
يُعدّ تأخر التشخيص ربما أخطر عامل، ففي حالة مريض يبلغ من العمر 25 عامًا ويعاني من نزيف شرجي، أو إرهاق غير مبرر، أو انتفاخ مستمر، لا يُحتمل أن يكون مصابًا بالسرطان.
قد يعزو المرضى والأطباء على حد سواء هذه الأعراض إلى التوتر، أو نمط الحياة، أو حالات حميدة.
سيؤدي هذا التحيز إلى تشخيص متأخر، في مرحلة يكون فيها السرطان أكثر شراسة وصعوبة في العلاج، مما يُفاقم النتائج لدى المرضى الشباب.
ما العمل؟
يشير ازدياد حالات الإصابة بالسرطان في سن مبكرة إلى أن الانتظار اليقظ لم يعد خيارًا آمنًا، يجب فحص الأعراض المستمرة أو غير المبررة - مثل تغيرات عادات التبرز، أو فقدان الوزن غير المبرر، أو الإرهاق المزمن، أو الألم المستمر - فورًا، بغض النظر عن العمر.
ينبغي تغيير الوعي نحو الوقاية والفحص المبكر والكشف المبكر عن الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة.
وفي هذا الصدد، ولأن السرطان يفتك بحياة الأجيال الشابة، فإن إدراك أن العمر ليس عامل حظ يُعدّ من أهم الخطوات لمواجهة هذا التوجه.